تحليل مقال ناشيونال إنترست: الزيدي تحت الاختبار.. والدعم الأمريكي بشروط خطيرة صعبة التنفيذ

تفكيك📍 –

نشرت صحيفة “ناشيونال إنترست” الأمريكية تفاصيل عن اختيار رئيس الحكومة الوزراء العراقي المكلّف، علي الزيدي، معتبرة أن تكليفه يعد “تجسيد للفساد الذي أبقى العراق رهينة لأكثر من عشرين عامًا”. وتعكس هذه القراءة وجهة نظر الصحيفة الأمريكية، وفيما يلي تحليل خاص لما ورد فيها:

القسم الأول: تفكيك المضمون والرسائل

تتمحور الفكرة الرئيسية للمقال حول طرح مفارقة جوهرية في المشهد العراقي الراهن: نضوج تدريجي للوعي الانتخابي الوطني يقابله ترشيح شخصية تُختزل في المقال بوصفها امتداداً لمنظومة الفساد البنيوي. الكاتب يقدّم رئيس الوزراء المكلّف علي الزيدي بوصفه نتاجاً لتسوية بين زعماء الإطار التنسيقي الثمانية، لا بوصفه خياراً سياسياً مستقلاً، ويربط هذا الترشيح بسجل اقتصادي يصفه بالملوّث، خاصةً في ملفي البطاقة التموينية ومصرف الجنوب الإسلامي.

تتوزع الرسائل الضمنية على ثلاثة مستويات: الأول، أن الناخب العراقي تجاوز مرحلة الولاءات العابرة للحدود، وأن الإطار التنسيقي اضطر إلى إعادة تموضع خطابي للحفاظ على ثقله البرلماني. والثاني، أن هذا التموضع شكلي لا جوهري، وأن آليات اختيار رئيس الوزراء لا تزال محكومة بمنطق توازن المصالح بين زعامات متنافسة. والثالث، الأهم، أن واشنطن تمتلك ملفات مفصّلة عن السجل الاقتصادي للزيدي، وأن استحضار قضية مصرف الجنوب الإسلامي والضغط الأمريكي على البنك المركزي العراقي في عام 2024 ليس استذكاراً تاريخياً بل تذكير محسوب التوقيت.

طبيعة اللغة نقدية–توجيهية في آنٍ معاً. نقدية في تشريحها لبنية القرار داخل الإطار التنسيقي، وتوجيهية في تموضعها كرسالة لصانع القرار الأمريكي بأن الخيار العراقي الراهن يتطلب إعادة تقييم. مفردات مثل “التعفّن” و”التلاعب” و”غسل الأموال” ليست توصيفات صحفية، بل علامات استدلال تُستخدم عادةً في أدبيات مراكز الدراسات لتوطئة قرارات لاحقة.

القسم الثاني: تحليل السياق الأمريكي

نشر هذا المحتوى في مجلة المصلحة الوطنية (The National Interest) لا يُقرأ بمعزل عن خط تحريرها التقليدي القريب من تيار الواقعية الجديدة، والذي يتقاطع جزئياً مع توجهات مؤسسات مثل مركز المصلحة الوطنية ومعهد كوينسي. هذا الخط لا يتبنى عادةً مقاربات المحافظين الجدد في فرض التغيير، بل يُفضّل قراءات تستند إلى موازين القوى وحسابات الكلفة الاستراتيجية. غير أن استحضار ملف العقوبات المالية والربط بين الزيدي وغسل الأموال لصالح إيران يُحرّك المقال من فضاء التحليل إلى فضاء التمهيد.

التقاطع مع البيت الأبيض والخارجية يبدو واضحاً في نقطتين: الأولى، تبني الكاتب لروايةٍ تتطابق مع منطق وزارة الخزانة الأمريكية في تعاملها مع المنظومة المصرفية العراقية منذ عام 2023، وهي رواية تربط بعض المصارف الأهلية بشبكات تمرير الدولار إلى طهران. والثانية، الإلماح إلى أن الزيدي قد يكون “وطنياً بما يكفي” للابتعاد عن طهران، وهي صياغة لا تصدر عن ناقد مطلق، بل عن مراقب يضع يده على خيارات التعامل المتاحة.

احتمال كون المقال تمهيداً لقرار سياسي يبقى قائماً ضمن سيناريوهين: إما تمهيد لرفع سقف الشروط الأمريكية في الحوار مع رئيس الوزراء المكلّف، عبر استحضار ملفه الاقتصادي ورقةً تفاوضية؛ وإما تمهيد لقرارات عقوبات محتملة تطال شخصيات أو كيانات اقتصادية مرتبطة به، تُستخدم كأداة ضغط لا كأداة قطيعة.

القسم الثالث: الانعكاسات على العراق

الرسالة الموجّهة للقوى السياسية العراقية مزدوجة الطبقات. على السطح، ثمة اعتراف ضمني بأن نتائج انتخابات عام 2025 تعكس تحولاً في المزاج العام، وأن قراءة هذا التحول باتت جزءاً من حسابات واشنطن. وفي العمق، ثمة إنذار مبطّن بأن التسويات الداخلية لاختيار رئيس الوزراء، حين تُنتج شخصيات ذات سجلات اقتصادية مثيرة للجدل، ستواجه بمقاربة أمريكية أكثر تشدداً في الملفات المالية والمصرفية.

إشارات الدعم والرفض تتوزع بدقة محسوبة. الكتلة المرفوضة ضمنياً ليست الإطار التنسيقي بوصفه كياناً، بل آلية اختياره لمرشح التسوية. أما الكتلة التي يُمنحها المقال هامشاً إيجابياً نسبياً فهي تلك التي يصفها بـ”القادة الوطنيين الحقيقيين”، دون تسمية مباشرة، وهو ترك مقصود للمساحة التأويلية. الشخصيات الثمانية المذكورة — المالكي والعامري والحكيم والعبادي والفياض والخزعلي والسوداني وحمودي — تُقدَّم بوصفها كتلة طموحات متنافسة لا مشروعاً سياسياً متجانساً، وهو توصيف يُضعف الشرعية التمثيلية لأي تسوية تنبثق عنها.

التأثير على السياسة الأمريكية تجاه العراق سينعكس على ثلاثة ملفات تحديداً: ملف التحويلات المالية بالدولار وآليات الرقابة على المصارف الأهلية، وملف العلاقة بين الحكومة العراقية وقوات الحشد الشعبي، وملف العقود الحكومية المرتبطة بالشركات الكبرى التي يشير المقال إلى بعضها بالاسم.

القسم الرابع: تأثيره على تشكيل الحكومة المقبلة

اتجاه الدعم في المقال يكشف عن قراءة أمريكية لا ترفض مرشح التسوية بقدر ما ترفض شروط إنتاجه. الزيدي لا يُقدَّم بوصفه مرشحاً قوياً، بل بوصفه نتاجاً لمعادلة الخوف المتبادل بين زعماء الإطار، وهو توصيف ينزع عنه الشرعية السياسية حتى قبل أن يبدأ مهمته. غير أن المقال يترك باباً موارباً عبر صياغة “وطني بما يكفي”، وهي صياغة تشير إلى أن واشنطن قد تتعامل معه بمنطق المراقبة المشروطة لا الرفض المطلق.

السيناريوهات المحتملة في ضوء هذه القراءة ثلاثة: الأول، أن تعمل واشنطن على تقييد هامش حركة رئيس الوزراء المكلّف عبر الضغط في الملفات المالية، مما يدفعه إلى تقديم تنازلات في الملف الإيراني مقابل غطاء سياسي. والثاني، أن تتشكّل حكومة تكنوقراط هجينة تستوعب الضغط الأمريكي عبر تعيينات في الحقائب السيادية. والثالث، الأقل احتمالاً، أن يدفع تصاعد الضغط إلى إعادة فتح ملف الترشيح ذاته، خاصةً إذا تطورت ملفات العقوبات إلى مرحلة الإجراءات التنفيذية.

استجابة القوى العراقية المتوقعة ستتوزع على ثلاثة محاور: محور سيسعى إلى احتواء الرسالة الأمريكية عبر إبداء استعداد للتعاون في الملفات المالية، ومحور سيقرأها بوصفها تدخلاً ويرفع من خطابه السيادي، ومحور ثالث سيستثمرها في إعادة تموضعه داخل الإطار، خاصةً تلك الشخصيات التي خسرت سباق رئاسة الوزراء.

القسم الخامس: الاستنتاجات والتوقعات

التوقعات قصيرة الأمد تتجه نحو مرحلة “اختبار شروط” ممتدة لأشهر، تكون فيها العلاقة بين بغداد وواشنطن محكومة بإيقاع الملفات المالية لا بإيقاع التصريحات السياسية. كل قرار يصدر عن البنك المركزي العراقي بشأن المصارف الأهلية، وكل تعيين في الحقائب الاقتصادية والأمنية، سيُقرأ في واشنطن بوصفه مؤشراً على نوايا رئيس الوزراء المكلّف.

ثبات هذا التوجه مرجّح لا عابراً، لسببين: أولاً، أن مقاربة الضغط عبر الأدوات المالية باتت ركيزة مستقرة في السياسة الأمريكية تجاه المنطقة منذ عام 2023، ولا ترتبط بإدارة بعينها. وثانياً، أن المقال يستحضر سجلاً اقتصادياً ممتداً للزيدي، أي أنه يضع أساساً تحليلياً قابلاً للاستثمار في مراحل لاحقة، لا تعليقاً ظرفياً على لحظة الترشيح.

التقييم النهائي: المقال ليس قراءةً صحفية للمشهد العراقي، بل وثيقة تموضع تكشف عن قراءة أمريكية تُمسك بطرفي معادلة دقيقة. الطرف الأول، اعتراف بأن العراق يتجه نحو هوية وطنية أكثر تماسكاً، وأن هذا التحول يصب موضوعياً في مصلحة تقليص النفوذ الإيراني. والطرف الثاني، رفض أن تُترجَم هذه الهوية الوطنية إلى تسويات داخلية تُعيد إنتاج المنظومة ذاتها بأسماء جديدة. بين هذين الطرفين، ستتشكّل العلاقة بين بغداد وواشنطن في الأشهر المقبلة، وسيكون رئيس الوزراء المكلّف أمام اختبار لا يتعلق بقدرته على تشكيل الحكومة، بل بقدرته على إعادة تعريف موقعه قبل أن يُعرَّف من خارجه.

اشترك في مجموعة منصة تفكيك  💬 🗯️

https://chat.whatsapp.com/IW9iINmcKo1C5iClPzzBM9?mode=gi_t

رابط المنصة:

https://uliraq.com/

  • Related Posts

    • 5 views
    الزيدي يبلغ الإطار بموعد عرض كابينته الوزارية للتصويت

    • 7 views
    3 ركائز اشترطها بارزاني على الزيدي مقابل المشاركة بالحكومة الجديدة

    0 0 الأصوات
    Article Rating
    الاشتراك
    نبّهني عن
    guest

    0 تعليقات
    الأقدم
    الأحدث الأكثر تصويت
    Inline Feedbacks
    عرض جميع التعليقات

    You Missed

    الزيدي يبلغ الإطار بموعد عرض كابينته الوزارية للتصويت

    الزيدي يبلغ الإطار بموعد عرض كابينته الوزارية للتصويت

    3 ركائز اشترطها بارزاني على الزيدي مقابل المشاركة بالحكومة الجديدة

    3 ركائز اشترطها بارزاني على الزيدي مقابل المشاركة بالحكومة الجديدة

    تحليل مقال ناشيونال إنترست: الزيدي تحت الاختبار.. والدعم الأمريكي بشروط خطيرة صعبة التنفيذ

    تحليل مقال ناشيونال إنترست: الزيدي تحت الاختبار.. والدعم الأمريكي بشروط خطيرة صعبة التنفيذ

    الكابينة الوزارية تتارجح بين القرار السيادي الكامل والرضوخ لمطالب واشنطن

    الكابينة الوزارية تتارجح بين القرار السيادي الكامل والرضوخ لمطالب واشنطن

    محاصصة معدلة أم شراكة وطنية حقيقية؟ قراءة في دلالات توزيع الوزارات الجديد

    محاصصة معدلة أم شراكة وطنية حقيقية؟ قراءة في دلالات توزيع الوزارات الجديد

    محمد الخالدي: على الكتل السياسية منح رئيس الحكومة حرية اختيار الوزراء

    محمد الخالدي: على الكتل السياسية منح رئيس الحكومة حرية اختيار الوزراء