دهاليز الدولة العميقة وحرب الملفات المؤجلة

تفكيك📍 –

تشهد العاصمة بغداد مرحلة من أشد مراحل الصراع السياسي حدةً منذ سنوات، إذ انتقل التنافس بين الأطراف المتنافسة من أروقة المفاوضات على المناصب إلى مواجهة استخباراتية وقضائية مكشوفة تُدار في دهاليز ما بات يُعرف بـ«الدولة العميقة». وفي قلب هذا الصراع تكمن ملفات فساد كانت معلقة بـ«فيتو» الاتفاقات السياسية، باتت اليوم سلاحاً يشهره كل طرف في وجه الآخر.

أولاً: حرب «الملفات والتسجيلات».. صراع كان مؤجلاً بقرار سياسي

لا جديد في طبيعة ملفات الفساد المتداولة اليوم على ساحة الصراع البغدادي؛ فهي موثقة ومعروفة لدى الأجهزة الأمنية والقضائية والأطراف السياسية على حد سواء منذ سنوات طويلة. غير أن الاتفاقات السياسية بين القوى النافذة كانت تفرض وصاية صامتة على هذه الملفات، تمنع فتحها وتطيل أمد البت فيها قضائياً في غياب شبه تام للإرادة السياسية.

اليوم، وفي خضم أواخر حزيران ومطلع تموز، يجد هذا «الفيتو» الصامت نفسه مرفوعاً تحت وطأة عاملين متشابكين.

انهيار الحصانة السياسية الداخلية:

تفككت بعض تحالفات الغطاء المتبادل داخل أجنحة الإطار التنسيقي ذاتها، وهو ما دفع أطرافاً كانت تقف على الحياد إلى التحول إلى مشاركين فاعلين في حرب الملفات، مستعينة بما راكمته من وثائق وتسجيلات طوال سنوات التهادن.

الضغط الدولي وتحصين مسارات القضاء:

مع تصاعد الاشتراطات الأمريكية المرتبطة بمسارات من قبيل «توم باراك» وقضايا التحايل المصرفي، وتضييق الخناق على منظومة تهريب النفط وتبييض العائدات، وجدت المنظومة المالية للأطراف المتنفذة نفسها في مواجهة خيارات صعبة. وقد وفر هذا الضغط الخارجي «شرعنة» قضائية وسياسية لتحريك ملفات كانت مجمدة، مما أعطى الجهاز القضائي هامشاً للمناورة لم يكن متاحاً في السابق.

والنتيجة الحتمية أن تحريك هذه الملفات اليوم ليس مبادرة قضائية مستقلة، بل هو انعكاس لتحولات في موازين القوى داخلياً ودولياً في آن معاً.

ثانياً: سيكولوجية الشارع.. «الشعب متونس» بين الإلهاء والشماتة

على الجانب الآخر من المشهد، يقف الجمهور العراقي في موقع المتفرج المحتار بين الشماتة والمتابعة الفضولية. فالشارع الذي اكتوى بفساد هذه النخب وعانى من شح الخدمات وتردي البنية التحتية، يجد في مشهد «الكبار يلتهمون بعضهم بعضاً» نوعاً من العدالة التعويضية المؤجلة التي طالما انتظرها.

هذه الشماتة السياسية تجعل من فضائح التسجيلات والاعتقالات «مسلسلاً درامياً» يتابعه الرأي العام العراقي بشغف بالغ، في ظاهرة يحكمها التزامن مع انشغال المجتمع بزخم الاستحقاقات الكروية وموسم المونديال.

غير أن هذا الإلهاء الجماعي يطرح سؤالاً جوهرياً: هل يترجم في نهاية المطاف إلى رأي عام ضاغط نحو الإصلاح الحقيقي، أم أنه يبقى في حدود «التفريج الدرامي» الذي لا يغير معادلات الاستحقاق السياسي؟

ثالثاً: صراع البقاء.. استراتيجية «الأرض المحروقة» قبل مقصلة تموز

تُقرأ المواجهة المحتدمة حالياً بين أقطاب سياسية على أنها ليست صراعاً على الزعامة بالمعنى التقليدي، بل هي أقرب إلى معركة البقاء الأخيرة التي تخوضها أجهزة «الدولة العميقة» لحماية مفاصلها الحيوية ومنابع تمويلها قبيل استحقاقات قضائية فارقة.

ومع اقتراب جلسة المحكمة الاتحادية المرتقبة التي وصفها المراقبون بـ«مقصلة الأول من تموز»، تتجلى استراتيجية «الأرض المحروقة» القانونية والإعلامية بوضوح: اسبق إلى حرق خصمك بملفاته قبل أن تصلك مقصلة القرار.

هذه الاستراتيجية تعني في حدها الأدنى خلط الأوراق وتشويش المشهد القضائي بكثرة الملفات المتقاطعة، وفي حدها الأقصى انتزاع اعترافات أو حسابات أمام الرأي العام تجعل من «التسوية» أهون على جميع الأطراف من المضي في المواجهة حتى نهايتها.

رابعاً: القضاء بين الاستقلالية والاستخدام.. أيهما يحسم اللعبة؟

خلاصة التحقيق

بغداد اليوم لا تسير نحو استقرار سياسي هادئ، بل نحو زلزال تدريجي من الإطاحات القانونية والفضائح المتبادلة. وما يحدد مآل هذا الزلزال ليس قوة الأدلة أمام القضاء، بل القدرة على المناورة داخل منظومة الحسابات السياسية الداخلية والخارجية.

ثلاثة متغيرات تحكم المشهد في الأسابيع المقبلة: سرعة البت القضائي في ملفات النزاهة المفتوحة، ومآلات الاستحقاقات الأمريكية المرتبطة بقطاع المصارف والطاقة، ومدى قدرة أي طرف على بناء حلف جديد يمنحه الغطاء اللازم لتجاوز العاصفة.

في هذه الأثناء، يبقى الشارع العراقي في مقعد المتفرج، وربما يكون ذلك الجانب الأكثر إثارة للقلق في مشهد لم يفرز بعد من يحمل مصالح هذا الشارع داخل دهاليز الصراع.

هذا التحقيق مبني على متابعة ميدانية وتحليل مصادر متعددة. بعض المعلومات تُنسب إلى مصادر طلبت عدم الكشف عن هويتها حفاظاً على سلامتها.

اشترك في مجموعة منصة تفكيك  💬 🗯️

https://chat.whatsapp.com/IW9iINmcKo1C5iClPzzBM9?mode=gi_t

رابط المنصة:

https://uliraq.com/

  • Related Posts

    • 3 views
    القضاء ينفي صدور مذكرات قبض بحق شخصيات عامة في قضية الجميلي

    • 1 views
    ممثلة عن رئيس مجلس النواب.. الفتلاوي تشارك في الاجتماعات التحضيرية للمؤتمر الثامن للبرلمان العربي بالقاهرة

    0 0 الأصوات
    Article Rating
    الاشتراك
    نبّهني عن
    guest

    0 تعليقات
    الأقدم
    الأحدث الأكثر تصويت

    You Missed

    القضاء ينفي صدور مذكرات قبض بحق شخصيات عامة في قضية الجميلي

    القضاء ينفي صدور مذكرات قبض بحق شخصيات عامة في قضية الجميلي

    ممثلة عن رئيس مجلس النواب.. الفتلاوي تشارك في الاجتماعات التحضيرية للمؤتمر الثامن للبرلمان العربي بالقاهرة

    ممثلة عن رئيس مجلس النواب.. الفتلاوي تشارك في الاجتماعات التحضيرية للمؤتمر الثامن للبرلمان العربي بالقاهرة

    فضائيات ومنصات تضليل تملأ الفراغ الرقابي وتحوّل الشائعة إلى سلطة موازية للدولة

    فضائيات ومنصات تضليل تملأ الفراغ الرقابي وتحوّل الشائعة إلى سلطة موازية للدولة

    الإعمار والتنمية تدعو لتحرك أمني ضد حملات التسقيط: تهدد الأمن القومي

    الإعمار والتنمية تدعو لتحرك أمني ضد حملات التسقيط: تهدد الأمن القومي

    دهاليز الدولة العميقة وحرب الملفات المؤجلة

    دهاليز الدولة العميقة وحرب الملفات المؤجلة

    النائب محمد الشمري ومنى سامي يحققان اكتشافا غير مسبوق في الكذب الارتزاقي: قروض صدّام لافريقيا تسجّل باسم حقبة السوداني

    النائب محمد الشمري ومنى سامي يحققان اكتشافا غير مسبوق في الكذب الارتزاقي: قروض صدّام لافريقيا تسجّل باسم حقبة السوداني