الإصلاح الاقتصادي يُقاس بالأرقام لا بالشعارات .. حقائق عن الإصلاحات المالية في حقبة السوداني

تفكيك📍 –

الإصلاح الاقتصادي الحقيقي لا يُقاس بحجم الخطابات، بل بالأرقام التي تغيّر الواقع، وبالقرارات التي تعيد بناء المؤسسات، حتى وإن كانت كلفتها مرتفعة في المدى القصير. فكل إصلاح جاد يمس مصالح راسخة، ومن الطبيعي أن يواجه مقاومة وتشكيكاً قبل أن تظهر ثماره.

ومنذ تولي حكومة محمد شياع السوداني مسؤولياتها، انطلقت حزمة من الإصلاحات المالية والمصرفية تُعد من الأوسع منذ عام 2003، استهدفت تنظيم الدورة المالية، وتعزيز الشفافية، وإغلاق منافذ الفساد، ووضع الاقتصاد العراقي على مسار أكثر انضباطاً.

وتؤكد الأرقام ذلك بوضوح. فقد ارتفع حجم المدفوعات الإلكترونية إلى أكثر من 21 تريليون دينار شهرياً، في تحول غير مسبوق نحو اقتصاد رقمي أكثر شفافية وقابلية للتتبع. كما أدى تطبيق نظام ASYCUDA وتشديد الرقابة على التحويلات التجارية إلى ربط التحويلات بوثائق وبضائع حقيقية، الأمر الذي حدّ من التحويلات الوهمية وعمليات غسل الأموال وتهريب العملة.

وتشير المؤشرات أيضاً إلى انخفاض الحوالات الخارجية عبر البنك المركزي العراقي بنحو 40 مليار دولار مقارنة بالسنوات السابقة، بما يعكس نجاحاً واضحاً في ضبط حركة الأموال وتقليص الطلب غير الحقيقي على الدولار.

وللمرة الأولى منذ عام 2003، اتجهت الدولة بصورة عملية إلى توسيع استخدام الدينار العراقي في التعاملات المحلية، مما عزز مكانة العملة الوطنية وخفف من ظاهرة الدولرة، وساهم في ترسيخ الاستقرار النقدي.

ومن المفارقات أن هذه الإصلاحات كشفت أيضاً الحجم الحقيقي للسيولة المكتنزة خارج النظام المصرفي. فمع تضييق الرقابة على الأموال غير المبررة، فضّل بعض أصحابها سحبها من التداول وإخفاءها داخل المنازل أو في أماكن بعيدة عن الدورة الاقتصادية، بدلاً من إبقائها داخل النظام المالي.

ويمكن القول إن هذا كان أحد أبرز أسباب تراجع السيولة المتداولة في الأسواق، لكنه في الوقت ذاته يعكس نجاح الإصلاحات في تضييق الخناق على الأموال التي كانت تتحرك خارج الأطر الرسمية، وإن كان ذلك يتطلب اليوم مرحلة جديدة تركز على بناء الثقة بالمصارف وإعادة هذه الأموال إلى الدورة الاقتصادية لتتحول إلى استثمارات وتمويل وفرص عمل.

كما امتدت الإصلاحات إلى الإدارة الضريبية والكمركية، وأسهمت في الحد من استخدام بعض الأنشطة التجارية واجهاتٍ لغسل الأموال أو التهرب الضريبي، وعززت قدرة الدولة على تتبع التدفقات المالية ورفع كفاءة الإدارة العامة.

صحيح أن هذه الإصلاحات لم تُنهِ الفساد، لكنها أغلقت كثيراً من منافذه، ولذلك كان من الطبيعي أن تواجه حملات تشكيك ومحاولات لإرباك السوق وتنشيط السوق الموازية للدولار. فكلما ضاقت مساحة الفساد، ارتفعت أصوات المتضررين منه.

إن المرحلة المقبلة لا تتطلب التراجع عن الإصلاح، بل استكماله، من خلال تعزيز قوة القطاع المصرفي، واستعادة السيولة المكتنزة إلى النظام المالي، وتحويلها إلى طاقة تمويلية تدعم التنمية والاستثمار .

صفحة الاقتصاديين العراقيين

اشترك في مجموعة منصة تفكيك  💬 🗯️

https://chat.whatsapp.com/IW9iINmcKo1C5iClPzzBM9?mode=gi_t

رابط المنصة:

https://uliraq.com/

  • Related Posts

    • 5 views
    دعوى قضائية ضد المدعو عبد الرحمن الجزائري: كذب وابتزاز وتضليل

    • 12 views
    رئيس كتلة الاعمار والتنمية: تجفيف منابع الفساد يبدأ بالتحول التام نحو الحوكمة الرقمية

    0 0 الأصوات
    Article Rating
    الاشتراك
    نبّهني عن
    guest

    0 تعليقات
    الأقدم
    الأحدث الأكثر تصويت

    You Missed

    دعوى قضائية ضد المدعو عبد الرحمن الجزائري: كذب وابتزاز وتضليل

    دعوى قضائية ضد المدعو عبد الرحمن الجزائري: كذب وابتزاز وتضليل

    الإصلاح الاقتصادي يُقاس بالأرقام لا بالشعارات .. حقائق عن الإصلاحات المالية في حقبة السوداني

    الإصلاح الاقتصادي يُقاس بالأرقام لا بالشعارات .. حقائق عن الإصلاحات المالية في حقبة السوداني

    رئيس كتلة الاعمار والتنمية: تجفيف منابع الفساد يبدأ بالتحول التام نحو الحوكمة الرقمية

    رئيس كتلة الاعمار والتنمية: تجفيف منابع الفساد يبدأ بالتحول التام نحو الحوكمة الرقمية

    عندما تنتصر المصلحة على المبدأ

    عندما تنتصر المصلحة على المبدأ

    الإعمار والتنمية النيابية: نؤيد إجراءات القضاء في ملاحقة الفساد “دون انتقائية”

    الإعمار والتنمية النيابية: نؤيد إجراءات القضاء في ملاحقة الفساد “دون انتقائية”

    كيف قطع “الإعمار والتنمية” الطريق على خصومه برفض الدفاع عن المتهمين وتحويل ملف الفساد إلى اختبار للقضاء لا للتحالف؟

    كيف قطع “الإعمار والتنمية” الطريق على خصومه برفض الدفاع عن المتهمين وتحويل ملف الفساد إلى اختبار للقضاء لا للتحالف؟