غارديان تستعرض تغطيتها لغزو العراق وكيف حصل كرنفال النهب

تفكيك📍 –

نشرت صحيفة غارديان البريطانية تقريرا مطولا استعرضت فيه كواليس تغطيتها الميدانية لغزو العراق عام 2003.

ففي ربيع عام 2003، كان العالم على موعد مع حدث غيّر وجه الشرق الأوسط، وهو الغزو الذي قادته الولايات المتحدة وبريطانيا للإطاحة بنظام صدام حسين.

وفي تقرير مطول للصحفي إيان مايز، استرجعت الصحيفة ذكريات تلك الحقبة، موثقة لحظات الصدمة، والترويع، والنهب، والموت، وصولا إلى تحولات المواقف الإنسانية والسياسية بعد مرور عقد من الزمان.

بدأت الحرب في 20 مارس/آذار 2003، وسرعان ما تصدرت عناوين غارديان تقارير عن هجمات برية وبحرية وجوية شاملة.. ففي بغداد، كانت المراسلة سوزان غولدنبيرغ تصف الغارات الجوية العنيفة التي استهدفت رموز السلطة، مشبهة إياها “بلعبة فيديو عملاقة” من حيث السرعة والدمار الشامل.

سُوّي المجمع الرئاسي بالأرض في دقائق، بينما كان العراقيون يراقبون في ذهول تصفية نظام سيطر على حياتهم لعقود.

وعلى الصعيد الميداني، انقسم الصحفيون إلى فئتين: “المرافقون” الذين تحركوا تحت حماية وإشراف القوات الأمريكية والبريطانية، و”المستقلون” الذين حاولوا التحرك بحرية أكبر.

وواجه المرافقون انتقادات لمدى استقلاليتهم وتماهيهم مع القوات المضيفة، بينما واجه المستقلون مخاطر أمنية جمة، لكنهم نالوا وصولا أسهل للمواطنين العراقيين ومعاناتهم.

ولم تكن الحرب مجرد تحركات عسكرية، بل كانت مأساة إنسانية وثقها المصور شون سميث الذي التقط صورا لآخر مباريات كرة القدم وحفلات الزفاف في بغداد قبل سقوطها.

ومع اشتداد القصف، بدأت الكوارث تقع رغم الوعود بتقليل الخسائر المدنية. وكان قصف سوق بغداد الذي أدى لمقتل 14 مدنيا نقطة تحول، حيث نشرت الصحيفة صورا لضحايا مشوهين، مما أثار جدلا واسعا حول أخلاقيات النشر.

ومن أكثر المشاهد مأساوية ما وثقته غولدنبيرغ من مستشفى الكندي، حيث وصفت مشهد جثث الأطفال والنساء المكدسة، والدموع التي غلبت حتى طواقم التمريض، مما جسد “الإذلال والعبثية القاتمة” للصراع الذي تجاوز كل التوقعات القانونية والأخلاقية.

وأبرزت غارديان أصوات العراقيين أنفسهم، ومن بينهم “سلام باكس”، الذي عُرف بـ”مدون بغداد”. فكانت تدويناته، التي كتبها بالإنجليزية المتحدثة والمليئة بالسخرية من النظام وبأذواقه الموسيقية الغربية، جسرا للتواصل بين القراء البريطانيين وبين شاب عراقي يشبههم في طموحاته، لكنه يعيش تحت القصف.

ورحب سلام بسقوط صدام، معتبرا إياه ضرورة لا بد منها، لكنه أعرب عن تمنيه بأن لو كان التخطيط لما بعد الحرب أفضل.

وعلى الضفة الأخرى، برز اسم غيث عبد الأحد، المهندس المعماري الذي تحول إلى صحفي حربي بالصدفة يوم سقوط التمثال في ساحة الفردوس.. وبدأ غيث مسيرته متفائلا بقدرة الحرب على جلب الديمقراطية، لكن رؤيته تحولت بحدة بعد رؤية آثار القتل الطائفي والسيارات المفخخة والفوضى التي عمت البلاد.

النهب وفقدان السيطرة
لم يتبع سقوط بغداد استقرار منشود، بل انزلاق سريع نحو الفوضى. ووصفت غولدنبيرغ “كرنفال النهب” في مدينة صدام، حيث غابت الشرطة والمليشيات، وسادت حالة من الانفلات الأمني.

كما وثقت التقارير النهب الذي طال المتحف الوطني والآثار العراقية، رغم وعود البنتاغون بحمايتها، مما شكل خسارة لا تعوض للتراث الإنساني.

وبعد مرور سنوات على الغزو، تغيرت نبرة الكثيرين. فغيث عبد الأحد، الذي نال جوائز صحفية عالمية لمخاطرته بحياته في مناطق الصراعات، صرّح بعد عقد من الزمن بأنه يفضل العودة للعيش تحت ظل الديكتاتورية والهروب من الخدمة العسكرية على أن يشهد هذا التدخل الأجنبي.

ورأى غيث أن التغيير كان يجب أن يكون عراقيا خالصا، حتى لو كان دمويا، بدلا من جلب “الديمقراطية” عبر الطائرات والمروحيات التي قتلت المدنيين في الشوارع.

وعلى المستوى السياسي والتحريري، بدأت المراجعات حول دقة المعلومات الاستخباراتية التي بررت الحرب، خاصة ما يتعلق بأسلحة الدمار الشامل.

وأقرت الصحيفة في مراجعاتها بأن “الحرية” التي وعد بها بوش وبلير لم تتحقق بالمعنى الحقيقي، بل استبدلت بنوع آخر من الرعب الطائفي والسياسي.

ويظل تقرير غارديان شهادة تاريخية على دور الصحافة في توثيق اللحظات المفصلية. فلقد كانت التغطية مزيجا من الانبهار الأولي بالتقنيات العسكرية الحديثة، ثم الصدمة من الكلفة الإنسانية الباهظة، وصولا إلى الاعتراف بمرارة الواقع العراقي الذي تحول إلى “مجتمع من الزومبي” بفعل القتل والاختطاف.

إن قصة غارديان في العراق هي قصة صحفيين حاولوا نقل الحقيقة وسط الدخان، وقصة شعب وجد نفسه وقودا لحرب وعدته بالحرية ومنحته الفوضى.

اشترك في مجموعة منصة تفكيك  💬 🗯️

https://chat.whatsapp.com/IW9iINmcKo1C5iClPzzBM9?mode=gi_t

رابط المنصة:

https://uliraq.com/

  • Related Posts

    • 1 views
    تحليل: الخيار الأسهل للإطار هو انسحاب المالكي.. لكن من هو البديل الاستراتيجي؟

    • 4 views
    الأعرجي: أطراف خفية تسعى لتعطيل الاستحقاقات الدستورية لتشويه منجزات السوداني

    0 0 الأصوات
    Article Rating
    الاشتراك
    نبّهني عن
    guest

    0 تعليقات
    الأقدم
    الأحدث الأكثر تصويت
    Inline Feedbacks
    عرض جميع التعليقات

    You Missed

    تحليل: الخيار الأسهل للإطار هو انسحاب المالكي.. لكن من هو البديل الاستراتيجي؟

    تحليل: الخيار الأسهل للإطار هو انسحاب المالكي.. لكن من هو البديل الاستراتيجي؟

    الأعرجي: أطراف خفية تسعى لتعطيل الاستحقاقات الدستورية لتشويه منجزات السوداني

    الأعرجي: أطراف خفية تسعى لتعطيل الاستحقاقات الدستورية لتشويه منجزات السوداني

    كم عدّد السجناء الدواعش المنقولين من سوريا الى العراق

    كم عدّد السجناء الدواعش المنقولين من سوريا الى العراق

    عضو في الاطار يتحدث عن احتمال انسحاب المالكي اذا وجد الخطوة تصب في مصلحة العراق

    عضو في الاطار يتحدث عن احتمال انسحاب المالكي اذا وجد الخطوة تصب في مصلحة العراق

    ترامب ينشر فيديو يُظهر أوباما وزوجته على هيئة قردين

    ترامب ينشر فيديو يُظهر أوباما وزوجته على هيئة قردين

    عضو في الاطار: المالكي قد ينسحب من الترشيح من اجل مصلحة العراق

    عضو في الاطار: المالكي قد ينسحب من الترشيح من اجل مصلحة العراق