ترندات وتدوينات: البيت الأبيض في الأفق.. لكن الشارع العراقي أقرب إلى الانفجار

تفكيك📍 –

يشير الرصد الخبري إلى أن الحكومة العراقية تتجه إلى اختبار سياسي مزدوج مع اقتراب زيارة رئيس الوزراء علي الزيدي إلى واشنطن الاثنين المقبل، في وقت تحاول فيه بغداد استثمار زخم قضائي وأمني تقول إنه أصاب شبكات فساد ، بينما تتصاعد في الداخل ضغوط الكهرباء والبطالة واحتجاجات الجنوب، بما يهدد بتقويض أي مكسب سياسي لا يترجم سريعاً إلى تحسن ملموس في حياة السكان.

ويأتي هذا المشهد في لحظة تسعى فيها السلطة إلى تقديم نفسها داخلياً بوصفها حكومة مواجهة مع الفساد، وخارجياً بوصفها شريكاً قادراً على حماية استقرار سوق الطاقة والحفاظ على توازن علاقاته الإقليمية. غير أن هذا المسعى يصطدم ببيئة داخلية متوترة، حيث تبدو أزمة الخدمات أكثر حضوراً في المزاج العام من ملفات الملاحقة القضائية أو التفاهمات الدولية.

وتشير القراءة الإعلامية للمشهد إلى أن بغداد تحاول دخول زيارة واشنطن من بوابة “استعادة الدولة”، مستفيدة من اعترافات عدنان الجميلي في إطار ما بات يُعرف بملف “صولة الفجر”، والذي تقول السلطات إنه قاد إلى كشف شبكة واسعة من المتورطين في ملفات فساد.

لكن القيمة السياسية لهذا المسار لا تتوقف على حجم الأسماء أو الأرقام، بل على قدرة الحكومة على تحويله من حدث قضائي إلى رسالة حكم، مفادها أن الأموال المستردة وملاحقة المتهمين ستنعكس على الخدمات والبنية التحتية وفرص العمل.

في المقابل، تظهر في الفضاء الرقمي والسياسي حملة مضادة تحاول إعادة تأطير الزيارة إلى واشنطن ضمن سياق إقليمي أكثر حساسية، عبر استحضار مشاركة شخصيات عراقية في تشييع المرشد الإيراني علي خامنئي، وتقديم ذلك كدليل على ارتباك موقع بغداد بين واشنطن وطهران.

ووفق هذا المسار، لا يجري استهداف الزيارة باعتبارها محطة تفاوضية فحسب، بل باعتبارها ساحة اختبار لصورة الحكومة نفسها: هل تتجه إلى الولايات المتحدة باعتبارها شريكاً مستقلاً يسعى إلى مصالحه، أم أنها تصل مثقلة بحسابات المحاور وعبء الاصطفافات؟

وتبدو هذه النقطة ذات حساسية خاصة لأن حكومة الزيدي تحاول منذ أسابيع الدفع بسردية مختلفة، قوامها أن العراق لم يعد مجرد ساحة تنازع، بل طرفاً يسعى إلى إعادة تعريف دوره بوصفه لاعباً في أمن الطاقة الإقليمي وشريكاً في ترتيبات الاستقرار. إلا أن نجاح هذه السردية يبقى مشروطاً بقدرة بغداد على تحييد الروايات التي تربطها بالفصائل أو النفوذ الإيراني، ولا سيما في مناخ أمريكي حساس تجاه أي إشارة يمكن تأويلها على أنها تحدٍّ سياسي أو رمزي لإدارة ترامب.

لكن الضاغط الأكبر على الحكومة لا يأتي من خصومها السياسيين أو من الحملات الرقمية، بل من الداخل الذي يزداد احتقاناً تحت وطأة انقطاع الكهرباء وتباطؤ الاستجابة لمطالب التعيين والخدمات. ففي الجنوب، حيث ترتفع درجات الحرارة ويتداخل الغضب المعيشي مع شعور مزمن بالتهميش، تبدو البصرة مرشحة لتكون مركز الثقل في أي تصعيد مقبل، خصوصاً إذا امتد الاحتجاج إلى مناطق قريبة من منشآت الطاقة أو شركات النفط.

ومن هنا، لا تُقرأ البصرة بوصفها مجرد ساحة احتجاج محلية، بل بوصفها مؤشراً على قدرة الدولة على احتواء التوتر قبل أن يلامس شريانها الاقتصادي الأهم. فتعطل جزئي في محيط شركة نفط البصرة أو تصاعد الاعتصامات في بيئة مشحونة قد يضع الحكومة أمام مشهد بالغ الكلفة، في وقت تريد فيه الذهاب إلى واشنطن وهي تحمل صورة الاستقرار والانضباط المؤسسي، لا صورة بلد يتسع فيه التوتر كلما ارتفعت الحرارة وتراجعت ساعات التجهيز.

وتظهر المتابعة أن الحكومة ما زالت أكثر قدرة على إدارة النقاش العام في الملفات المرتبطة بالفساد والعلاقات الخارجية، مقارنة بملف الخدمات الذي يظل الحلقة الأضعف في خطابها. فالمؤشرات الإعلامية توحي بأن السلطة قادرة على فرض روايتها حين يتعلق الأمر بالاعتقالات والتحقيقات والزيارات الرسمية، لكنها تفقد هذا التفوق سريعاً في الداخل، حيث يقيس الشارع الأداء بمعيار أبسط وأكثر قسوة: عدد ساعات الكهرباء، فرص العمل، وحجم الاستجابة اليومية لمعاناة الناس.

ولهذا، فإن التحدي الرئيسي أمام الزيدي لا يتمثل فقط في ما سيحمله إلى واشنطن، بل في ما ينبغي أن يتركه خلفه في بغداد قبل السفر. فالجمهور لا يتعامل مع الزيارة باعتبارها هدفاً بحد ذاته، بل باعتبارها اختباراً للجدوى: هل ستقود إلى دعم مالي أو فني يخفف أزمة الكهرباء، وهل ستترجم إلى مشاريع قابلة للقياس، أم ستبقى محطة بروتوكولية تضاف إلى سجل اللقاءات الخارجية من دون أثر مباشر على الداخل؟

وتبعاً لذلك، فإن أي محاولة رسمية لتسويق الزيارة بوصفها نجاحاً مسبقاً ستظل معرضة للاهتزاز ما لم تُربط بخطوات تنفيذية واضحة داخل العراق. ويشمل ذلك، وفق ما يظهره الرصد، إجراءات في ملف الكهرباء، وقرارات أكثر حسماً في ملاحقة المتورطين بالفساد، ورسائل مباشرة إلى المحتجين والخريجين العاطلين عن العمل، بما يبدد الانطباع السائد بأن السلطة تربح في شاشات الأخبار وتخسر في الشارع.

وفي الحسابات السياسية، تبدو الحكومة أمام فرصة ومأزق في آن واحد. فالفرصة تكمن في أن الزخم القضائي يمنحها مادة صلبة لتأكيد خطاب الإصلاح، كما أن زيارة واشنطن تتيح لها عرض العراق كشريك يحتاج إلى الاستثمار لا الوصاية.

أما المأزق، فيكمن في أن هذا الخطاب نفسه قد ينقلب عليها إذا لم يقترن بنتائج سريعة في ملف الخدمات، أو إذا نجحت الحملات المضادة في تصوير الزيارة على أنها محاولة للهروب من استحقاقات الداخل إلى منصة العلاقات الخارجية.

وبذلك، فإن الأيام التي تسبق الزيارة لن تكون مجرد وقت تحضير دبلوماسي، بل مساحة اختبار لقدرة الحكومة على ضبط السردية في اتجاهين متوازيين: منع خصومها من ربطها بمشهد إقليمي يحرجها أمام واشنطن، ومنع الشارع من التعامل مع الزيارة بوصفها رحلة سياسية منفصلة عن أزماته اليومية. وبين هذين المسارين، ستتحدد قيمة الزيارة نفسها: إما أن تُقدَّم كخطوة ضمن مشروع دولة تستعيد المال العام وتحاول شراء الوقت عبر تحسين الخدمات، وإما أن تتحول إلى عنوان كبير في الخارج، فيما تبقى الأزمة الحقيقية معلقة في البيوت العراقية التي ما زالت تنتظر الكهرباء أكثر مما تنتظر البيانات.

اشترك في مجموعة منصة تفكيك  💬 🗯️

https://chat.whatsapp.com/IW9iINmcKo1C5iClPzzBM9?mode=gi_t

رابط المنصة:

https://uliraq.com/

  • Related Posts

    • 2 views
    بتمويل البنك الدولي.. امانة بغداد تفتتح محطتي الحبيبية والخضراء لتصريف مياه المجاري

    • 3 views
    الإعمار والتنمية تدعو مجلس النواب لإدراج قانون الرقابة الداخلية على جدول أعماله

    0 0 الأصوات
    Article Rating
    الاشتراك
    نبّهني عن
    guest

    0 تعليقات
    الأقدم
    الأحدث الأكثر تصويت

    You Missed

    بتمويل البنك الدولي.. امانة بغداد تفتتح محطتي الحبيبية والخضراء لتصريف مياه المجاري

    بتمويل البنك الدولي.. امانة بغداد تفتتح محطتي الحبيبية والخضراء لتصريف مياه المجاري

    ترندات وتدوينات: البيت الأبيض في الأفق.. لكن الشارع العراقي أقرب إلى الانفجار

    ترندات وتدوينات: البيت الأبيض في الأفق.. لكن الشارع العراقي أقرب إلى الانفجار

    الإعمار والتنمية تدعو مجلس النواب لإدراج قانون الرقابة الداخلية على جدول أعماله

    الإعمار والتنمية تدعو مجلس النواب لإدراج قانون الرقابة الداخلية على جدول أعماله

    ائتلاف الإعمار والتنمية: تجاوزنا الضغوط وتحولنا إلى مؤسسة سياسية قادرة على خوض الاستحقاقات المقبلة

    ائتلاف الإعمار والتنمية: تجاوزنا الضغوط وتحولنا إلى مؤسسة سياسية قادرة على خوض الاستحقاقات المقبلة

    إئتلاف الاعمار يشكر الشعب العراقي على مشاركته في تشييع جثمان الشهيد المرجع خامنئي

    إئتلاف الاعمار يشكر الشعب العراقي على مشاركته في تشييع جثمان الشهيد المرجع خامنئي

    دعوى قضائية ضد المدعو عبد الرحمن الجزائري: كذب وابتزاز وتضليل

    دعوى قضائية ضد المدعو عبد الرحمن الجزائري: كذب وابتزاز وتضليل