تفكيك📍 –
يقترب ملف ترخيص خدمة الإنترنت الفضائي “ستارلينك” التابعة لشركة “سبيس إكس” الأمريكية من مرحلته الأخيرة في العراق، بعد إعلان رئيس الجهاز التنفيذي لهيئة الإعلام والاتصالات بليغ أبو كلل، في 9 تموز 2026، أن خطوة إجرائية واحدة فقط تفصل البلاد عن توقيع الاتفاق النهائي. وبالتوازي مع هذا الإعلان، تصاعدت موجة تحذيرات برلمانية وإعلامية بشأن الانعكاسات الأمنية والاقتصادية والسيادية للمشروع، يتقدمها موقف وزيرة الاتصالات السابقة والنائبة الحالية الدكتورة هيام الياسري، التي وجهت في 3 تموز سؤالاً برلمانياً إلى الهيئة تضمّن 30 ملاحظة وإشكالاً حول آلية منح الترخيص.
يرصد هذا التحقيق، بحسب ما تداولته وسائل الإعلام العراقية والعربية حتى 12 تموز 2026، أبرز المواقف من أربع زوايا: الأمنية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية، مع الحرص على التمييز بين التصريحات الرسمية الموثقة والآراء التحليلية المنسوبة لأصحابها، والإشارة صراحة إلى الثغرات في المعلومات المتاحة حيثما وُجدت.
ملاحظة منهجية: لم يُعثر، ضمن المصادر الإعلامية المتاحة، على بيان رسمي منفصل صادر عن وزارة الاتصالات (خلال تولي د. الياسري حقيبتها) يعارض تحديداً مشروع “ستارلينك”؛ وما هو موثق هو نزاع صلاحيات مؤسسي أعمّ بين الوزارة والهيئة، فضلاً عن موقفها الحالي بصفتها نائباً بعد خروجها من الحكومة. التفصيل الكامل لهذه النقطة وارد في المحور السياسي أدناه.
أولاً. الخط الزمني: كيف وصل الملف إلى هذه المرحلة
• 11 كانون الأول 2025: استقبال رئيس الوزراء الأسبق محمد شياع السوداني وفداً من “ستارلينك” لبحث المراحل النهائية للترخيص، مع تأكيده أولوية السيادة المعلوماتية والتكنولوجية.
• 25 كانون الثاني 2026: أداء الدكتورة هيام الياسري، رفقة ستة وزراء آخرين من حكومة السوداني فازوا بمقاعد نيابية، القسم أمام مجلس النواب في دورته السادسة، لتنتهي بذلك مهامهم الوزارية رسمياً.
• 25 حزيران 2026: إعلان الموافقة الرسمية على تشغيل “ستارلينك” في عهد حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي.
• 1 تموز 2026: تأكيد أبو كلل، خلال القمة العراقية الثالثة للاتصالات، استكمال إجراءات دخول الشركة السوق العراقية.
• 3 تموز 2026: تحذير النائبة الياسري من المضي في الترخيص، وكشفها عن سؤالها البرلماني المتضمن 30 ملاحظة.
• 9 تموز 2026: إعلان أبو كلل أن خطوة واحدة (تحويل مبلغ الرخصة) تفصل عن توقيع الاتفاق المزمع الإعلان عنه في واشنطن.
• 11 تموز 2026: تحذير النائبة نور عادل (كتلة بدر) من “ضغوط أميركية” لفرض المشروع.
ثانياً. الجانب الأمني
مثّل الجانب الأمني الاعتراض الأبرز في موقف النائبة الياسري، إذ أوضحت أن جزءاً من ملاحظاتها الثلاثين يتعلق بهذا الجانب تحديداً، محذرة من أن الترخيص قد “يهدد أمن العراق وسيادته”، وأن بيانات المواطنين وتحركاتهم قد تصبح بحسب رؤيتها في متناول الشركة المالكة للأقمار الصناعية. ولم تُنشر حتى الآن الوثيقة الكاملة لملاحظاتها الثلاثين، واقتصرت التغطية الإعلامية على ملخص عام لمضمونها.
وفي مقالة رأي نشرها الكاتب عمار طعمه في موقع “المعالي نيوز”، عُرضت مخاوف أمنية تفصيلية تتعلق بطبيعة تقنية الاتصال الفضائي، من بينها احتمال استخدامها من جماعات مسلحة أو إجرامية بمعزل عن رقابة الشبكة الوطنية، وصعوبة رصد الأجهزة الأمنية لتحركات مرتبطة بها. وهذه القراءة رأي تحليلي لكاتبه، ولا ترقى إلى مرتبة الموقف الرسمي أو المعطى المؤكد.
في المقابل، طرحت هيئة الإعلام والاتصالات رواية معاكسة تماماً؛ فبحسب تصريحات أبو كلل، تعمل أصلاً داخل العراق آلاف بل عشرات الآلاف من أجهزة “ستارلينك” بصورة غير نظامية وخارج أي رقابة، وهو ما وصفه بأنه الخرق الأكبر فعلياً للسيادة، فيما يمثل الترخيص المنظم من وجهة نظره أداة ضبط لا مصدر خطر. وأضاف أن الشركة التزمت بجميع المتطلبات الأمنية وبالخضوع للقانون العراقي، على أن تكتمل بوابات النفاذ الرقابي خلال عامين من توقيع الاتفاق.
بذلك يقوم الخلاف الأمني على قراءتين متعارضتين لواقع واحد: الأولى تنظر إلى الترخيص بوصفه فتحاً لثغرة جديدة، والثانية تنظر إليه بوصفه تنظيماً لثغرة قائمة أصلاً.
ثالثاً. الجانب الاقتصادي
تباينت تقديرات العائد المالي المتوقع تبايناً واسعاً بين الطرفين. فقد وصفت النائبة الياسري العوائد المتوقعة للدولة بأنها “زهيدة جداً”، مقابل أضرار قد تلحق – بحسب رؤيتها – بشركات الاتصالات الحكومية والأهلية وبمشاريع الألياف الضوئية الواصلة إلى المنازل، وهو المشروع الذي أشرفت وزارتها سابقاً على توسيعه ليغطي، وفق بيانات الوزارة، نحو 4.5 مليون منزل.
في المقابل، أعلن أبو كلل أرقاماً مغايرة تماماً، مفادها أن العراق سيحصل على نسبة 9% من واردات الشركة (8% مباشرة و1% لصندوق الخدمة الشاملة)، إضافة إلى ضريبة 15% على شركات الاتصالات العاملة في القطاع، مؤكداً عدم تحميل المواطنين أي كلفة إضافية وأن تسعيرة الخدمة ستقارب مثيلاتها في دول الجوار.
هذا التفاوت الحاد بين وصف “العوائد الزهيدة” والنسب المعلنة رسمياً يبقى دون تفسير واضح في المصادر المتاحة، إذ لم يُنشر نص العقد أو دراسة جدوى مفصلة تتيح مقارنة دقيقة بين التقديرين. ويتزامن الملف مع ملف موازٍ يتعلق بإنهاء عمل شركة “كورك تيليكوم”، في مؤشر على إعادة ترتيب أوسع لخارطة مزودي الإنترنت في البلاد.
رابعاً. الجانب السياسي
يتقاطع ملف “ستارلينك” مع مسار العلاقة بين بغداد وواشنطن في عهد حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي، التي تصف المشروع بأنه جزء من توجهها لاستقطاب الشركات الأمريكية الكبرى. وفي مقابل هذا الطرح، ذهبت النائبة نور عادل، عضو كتلة “بدر”، إلى وصف المشروع بأنه محاولة لإقامة “شبكة تجسس فضائية” خارج سيطرة الدولة، محذرة من تحويل البيانات العراقية إلى ما وصفته بمستعمرة تُدار من الخارج. وهذا الموقف صدر عن النائبة عادل بصورة مستقلة عن ملاحظات النائبة الياسري الثلاثين، وإن التقيا في جوهر القلق السيادي.
كما تناولت بعض المنابر الإعلامية، نقلاً عن مصادر لم تكشف هويتها، ربطاً بين الملف وبيان عراقي أمريكي مشترك يخص عدداً من الشركات الأمريكية “الحساسة” وملفات ذات صلة بالتنسيق الاستخباري؛ وبما أن هذا الطرح لم يحظ بتأكيد رسمي مباشر حتى إعداد هذا التقرير، فإنه يُدرج هنا كخلفية للنقاش العام لا كمعطى ثابت.
توضيح: “ملاحظات الوزارة سابقاً” مقابل موقف الياسري الحالي
تُظهر مراجعة الأرشيف الإعلامي نزاعاً سابقاً بين وزارة الاتصالات (حين كانت الياسري تتولاها) وهيئة الإعلام والاتصالات حول صلاحية إصدار تراخيص خدمات الإنترنت، تجلّى في اعتراض الوزارة أواخر أيلول 2023 على لائحة أصدرتها الهيئة دون تنسيق مسبق معها. غير أن هذا التحقيق لم يعثر على بيان رسمي منفصل لوزارة الاتصالات، خلال فترة تولي الياسري حقيبتها، يتعلق تحديداً بمشروع “ستارلينك”؛ إذ جاء أبرز تحرك حكومي موثق تجاه الشركة حينها (كانون الأول 2025) من رئاسة مجلس الوزراء مباشرة لا من الوزارة.
وعليه، فإن ملاحظات الياسري الثلاثين تمثّل – بحسب المتاح من مصادر – موقفاً نيابياً لاحقاً لخروجها من الحكومة، فيما يبقى نزاع الصلاحيات التاريخي بين الوزارة والهيئة خلفية مؤسسية مفسِّرة لحساسيتها تجاه إدارة ملف التراخيص، لا دليلاً على موقف وزاري سابق موثّق بخصوص “ستارلينك” تحديداً. وقد طالبت الياسري السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية مجتمعة باتخاذ إجراءات عاجلة لوقف الترخيص، في تصعيد يتجاوز الاعتراض البرلماني المعتاد إلى دعوة صريحة للتدخل القضائي.
خامساً. الجانب الاجتماعي
يرتبط الجدل حول “ستارلينك” اجتماعياً بواقع مزدوج. فمن جهة، تعاني مناطق نائية وحدودية وصحراوية واسعة في العراق ضعفاً مزمناً في خدمة الإنترنت، وهو ما أقرّت به الياسري نفسها حين كانت وزيرة، بوصفه نتيجة تراكم مشكلات بنيوية على مدى عقدين رغم مشروع الكيبل الضوئي الذي وصل، وفق بيانات وزارتها، إلى نحو 4.5 مليون منزل. وهذه المناطق تحديداً هي ما يقول مؤيدو “ستارلينك” إنها الأكثر استفادة من التغطية الفضائية.
ومن جهة أخرى، تفيد تصريحات أبو كلل بأن الانتشار الفعلي لأجهزة “ستارلينك” غير المرخصة في العراق – المقدَّر بالآلاف أو عشرات الآلاف – سبق أي مسار تنظيمي رسمي، بما يعكس طلباً اجتماعياً قائماً على الخدمة تجاوز الإطار القانوني قبل أن يُستكمل. كما أثارت مقالة الرأي المشار إليها مخاوف من استغلال محتمل للتقنية في تسريب الامتحانات الوزارية خلال فترات قطع الإنترنت المعتادة، وهو طرح تحليلي لصاحبه لم يرد كموقف رسمي موثق.
سادساً. خلاصة وفجوات في المعلومات
يعكس ملف “ستارلينك” حتى تاريخ إعداد هذا التقرير استقطاباً واضحاً بين خطاب حكومي يقدّم المشروع أداةً لضبط واقع تقني قائم وتحقيق عائد مالي، وخطاب نيابي معارض تتقدمه الدكتورة هيام الياسري ويتقاطع مع مواقف نيابية أخرى أكثر حدة في التوصيف السيادي.
وتبقى عناصر جوهرية غير مؤكدة في المصادر المتاحة حتى الآن، أبرزها: النص الكامل لملاحظات الياسري الثلاثين، نص الاتفاق النهائي مع “سبيس إكس”، الأساس الحسابي للتباين بين تقدير “العوائد الزهيدة” ونسبة الـ9%+15% المعلنة رسمياً، وأي رد حكومي مباشر ومفصّل على الملاحظات الثلاثين تحديداً. ونظراً لإعلان أبو كلل اقتراب توقيع الاتفاق، يُرجَّح أن يشهد الملف تطورات إضافية تستدعي متابعة ميدانية لاحقة والتحقق من مصادر رسمية إضافية قبل أي نشر نهائي.
اشترك في مجموعة منصة تفكيك 💬 🗯️
https://chat.whatsapp.com/IW9iINmcKo1C5iClPzzBM9?mode=gi_t
رابط المنصة:






