الحساب الذي لم يُقرأ.. 113 تريليون دينار سلفاً بلا كشوفات.. و15 تريليون خارج تدقيق الرقابة

تفكيك📍 –

أربع سنوات مالية دخلت جدول أعمال البرلمان، وثلاث فقط خرجت منه — وفي المتن 113 تريليون دينار سلفاً بلا كشوفات، و15.3 تريليون خارج تدقيق ديوان الرقابة.

حين رُفعت جلسة مجلس النواب السادسة يوم السبت الماضي، كان البرلمان قد أنجز في ساعات ما تعذّر عليه أربعة عشر عاماً: القراءة الأولى للحسابات الختامية لثلاث سنوات مالية دفعة واحدة. لكن السنة الرابعة لم تُقرأ.

قبل ذلك بيومين، كانت الدائرة الإعلامية للمجلس قد نشرت جدول أعمال الجلسة (5) المقررة في 23 تموز 2026، وتصدّرته القراءة الأولى لأربعة مشاريع قوانين للمصادقة على الحسابات الختامية للسنوات المالية 2012 و2013 و2014 و2015، بواقع سبع مواد لكل مشروع. أربعة أرقام، أربع سنوات، سلة واحدة.

ثم صدر جدول الجلسة (6) ليوم السبت 25 تموز. فيه 2012، وفيه 2014، وما بينهما. أما 2015 فلم يظهر. وفي مساء اليوم نفسه، أعلنت الدائرة الإعلامية أن المجلس باشر القراءة الأولى لمشروع قانون المصادقة على الحساب الختامي لسنة 2012 وأنهاها، ثم أنهى القراءة الأولى لمشروعي 2013 و2014. ثلاثة من أربعة. ولا كلمة عن الرابع.

لا يوجد حتى الآن تفسير رسمي معلن لهذا الفارق. وهو أول سؤال يستحق إجابة.

ما الذي يقوله النص الذي قُرئ؟

مشاريع القوانين هذه ليست وثائق مغلقة؛ نصوصها تتضمن أرقاماً. وفي 25 تموز، وهو يوم القراءة نفسه، نشر المختص المالي عبد الزهراء الناصري قراءة تفصيلية في نص مشروع قانون الحساب الختامي لسنة 2013، تكشف عن بنية مالية مقلقة.

الإيرادات الفعلية لتلك السنة بلغت نحو 113.8 تريليون دينار، منها 104 تريليونات من النفط. والإنفاق الفعلي بلغ 119 تريليوناً. أي بعجز محاسبي قدره 5.2 تريليون دينار، غُطّي من فائض متراكم مدوّر من 2012.

هذه أرقام يمكن هضمها المشكلة في ما بعدها

رصيد حساب السلف النقدية حتى 31 كانون الأول 2013 بلغ 113.2 تريليون دينار. والسلفة النقدية، بتعريفها المحاسبي، مبلغ يُدفع لجهة أو لجنة أو مقاول لتنفيذ عمل محدد، ويجب أن يُغلق داخل السنة المالية نفسها بجلب الفواتير والمستندات. ومشروع القانون — بحسب القراءة ذاتها — لا يبيّن كم سُوّي من هذا الرصيد تسويةً قانونية سليمة، ولا كم بقي معلقاً.

وداخل هذا الرصيد رقم أصغر لكنه أوضح دلالة: 18.9 تريليون دينار مُنحت خلال عام 2013 وحده دون وجود تخصيصات مالية مرصدة لها، تنفيذاً لقرارات صادرة عن مجلس الوزراء أو وزارة المالية. أي إنفاق خارج ما أقرّه البرلمان في قانون الموازنة، بقرار إداري.

وإلى جانبها: 3.6 تريليون دينار تجاوزاً على فقرات بعض التخصيصات، و28 تريليوناً رصيداً لحساب الأمانات الموحد من دون تفصيل لمصادره — لا الضرائب ولا الرسوم ولا التوقيفات التقاعدية ولا مبالغ ضمان حسن التنفيذ.

الثقب الأسود: 15.3 تريليون خارج التدقيق

لكن الرقم الأكثر إثارة للأسئلة ليس أياً مما سبق. إنه 15.3 تريليون دينار: مصروفات إقليم كردستان للموازنتين الجارية والاستثمارية لسنة 2013، أُدرجت في الحساب الختامي استناداً إلى موازين مراجعة أرسلها الإقليم إلى وزارة المالية، ولم تخضع لتدقيق ديوان الرقابة المالية الاتحادي.

والملاحظة ليست اجتهاداً صحفياً: مشروع القانون نفسه يذكرها. أي إن البرلمان يُطلب منه التصويت على المصادقة على حساب ختامي يتضمن، بإقرار النص، بنداً بحجم 15.3 تريليون دينار لم يمر على الجهة الرقابية العليا في الدولة.

ثلاثة عشر عاماً من الملاحظات المعلّقة

ثمة نمط أوضح من الأرقام. فمشروع قانون 2013 يكرّر — حرفياً — ملاحظة وردت في مشروع قانون 2012: إلزام وزارة المالية بمعالجة الملاحظات والتحفظات التي دوّنها ديوان الرقابة المالية بشأن صندوق تنمية العراق (DFI)، وحساب المبيعات العسكرية الأجنبية (FMS)، والسلف والمديونية والحسابات النقدية والاستثمارات الخارجية والاقتراض الداخلي والخارجي.

السؤال الذي لا يجيب عنه النص: لماذا لم تُعالَج هذه الملاحظات طوال ثلاثة عشر عاماً؟ ومن يتحمل مسؤولية التخلف عنها؟ وهل يرقى بعضها إلى جريمة تستوجب الإحالة إلى هيئة النزاهة والقضاء؟

ولا يتضمن المشروع ملحقاً يحدد أخطر تلك الملاحظات، ولا جدولاً يصنّف السلف الموقوفة بحسب أسبابها — تلكؤ مشاريع، أم نقص مستندات، أم شبهة هدر. ومن دون هذا التصنيف، يصبح الإقرار إجراءً محاسبياً مغلقاً على نفسه.

من يعترض؟

أول اعتراض كتلوي معلن جاء من كتلة الإعمار والتنمية النيابية. فقد أعلن رئيسها النائب بهاء الأعرجي أن تقارير ديوان الرقابة المالية تُظهر خللاً هيكلياً في إدارة مالية الدولة بين 2012 و2015، تمثّل في تجاوز التخصيصات المعتمدة، ومنح سلف بعشرات التريليونات خارج سقف القانون، وإطفاء بعضها دون معززات رسمية، وتراكم أخطاء السجلات. وأعلن رفض كتلته المضي في القراءة الثانية إلا بعد الوقوف على الأسباب الحقيقية للخروقات ووضع معالجات جذرية.

في المقابل، يرى النائب فراس المسلماوي أن عرض هذه الحسابات — رغم تأخره الكبير — ضروري لتصفية التراكمات المالية المعطلة وتطبيق المادة (62) من الدستور، ولمنع تدوير المخالفات المالية إلى الأجيال المقبلة. لكنه هو الآخر يسجّل ملاحظات: تضخم السلف المؤقتة الممنوحة لجهات حكومية ولجان وزارية دون حسمها أو إطفائها، وارتفاع الإنفاق التشغيلي على حساب الاستثماري بما لا يتناسب مع المنجز على الأرض، وتباين أرقام المناقلات بين أبواب الموازنة دون مراجعة أو تصويت من السلطة التشريعية. ويطالب باستضافة الكوادر المتقدمة في وزارة المالية وديوان الرقابة قبل أي خطوة تشريعية.

أما اللجنة المالية النيابية، صاحبة المشاريع، فحسمت الالتباس القانوني مبكراً: في بيانها الصادر في 15 تموز أكدت أن إقرار الحسابات الختامية لا يعني إسقاط أو التغاضي عن أي مخالفة أو تجاوز ورد في تقارير ديوان الرقابة المالية، وأن الملاحظات تبقى خاضعة للمتابعة والمساءلة وفقاً للقانون.

وهنا تكمن الفجوة: التعهد ورد في بيان صحفي، لا في نص القانون.

الرقابة الصامتة

طوال نافذة الرصد الممتدة من مطلع تموز حتى 27 منه، لم يصدر عن ديوان الرقابة المالية الاتحادي بيانٌ يخص هذا الملف تحديداً. وتقارير الديوان عن السنوات محل التصويت غير منشورة بنصها الكامل على موقعه الرسمي، ما يجعل التحقق المستقل من أرقامها متعذراً على الصحافة والرأي العام معاً.

وهيئة النزاهة الاتحادية لم تربط علناً بين عملها وهذا الملف. أقصى ما صدر عنها في 27 تموز تصريح عام لرئيسها القاضي حيدر حنون، خلال لقائه السفير الفنلندي في بغداد، أكد فيه أن إجراءات الهيئة تستند إلى القانون ولا تستهدف المناصب بل المتجاوزين على المال العام، وأن حماية أموال الشعب خط أحمر.

التوقيت

لا يجري هذا كله في فراغ. ففي 28 حزيران 2026 انطلقت حملة «صولة الفجر» لمكافحة الفساد، وطالت خلال ساعات عشرات المسؤولين ونواباً حاليين وسابقين رُفعت عنهم الحصانة. وبينما يقرأ البرلمان اليوم حسابات سنوات مضت، يتابع الرأي العام مشاهد ضبط أموال نقدية في منازل مسؤولين.

في هذا المناخ تحديداً، لا يُقرأ التصويت السريع على أربع سنوات مالية بوصفه إجراءً محاسبياً. يُقرأ بوصفه موقفاً سياسياً.

الرجل الذي رأى الملف من طرفيه

ثمة تفصيل تنشره وزارة المالية نفسها في السيرة الذاتية لوزيرها. فالح الساري كان موظفاً في ديوان الرقابة المالية من عام 1992 حتى 2009، وتدرّج فيه إلى عنوان رئيس هيأة. ثم أصبح عضواً في اللجنة المالية النيابية من 2010 حتى 2026، ورئيساً لها في 2016، ونائباً لرئيسها في 2015 و2017 و2018.

أي إن الوزير الذي تُحال إليه اليوم مسؤولية تسوية السلف ومعالجة ملاحظات الديوان، كان — طوال السنوات محل التصويت — داخل الجهاز الذي دقّق تلك الحسابات، ثم داخل اللجنة التي كان يُفترض أن تناقشها. هذا ليس اتهاماً؛ إنه أفضل مدخل ممكن لفهم لماذا تعطّل الملف أربعة عشر عاماً، ومن الأقدر على شرحه.

أسئلة بلا إجابة

● لماذا سقط مشروع الحساب الختامي لسنة 2015 من جدول الجلسة السادسة بعد إدراجه في جدول الجلسة الخامسة؟
● كم سُوّي فعلياً من رصيد السلف النقدية البالغ 113.2 تريليون دينار حتى تاريخه، ومن يحتفظ بكشوفاته؟
● على أي أساس تُصادق السلطة التشريعية على 15.3 تريليون دينار إنفاقاً لم يخضع لتدقيق ديوان الرقابة المالية الاتحادي؟
● لماذا بقيت ملاحظات الديوان بشأن صندوق تنمية العراق والمبيعات العسكرية الأجنبية والاقتراض دون معالجة ثلاثة عشر عاماً؟
● ما الذي يمنع إضافة ملحق إلى مشاريع القوانين يحدد المخالفات القابلة للإحالة إلى النزاهة والقضاء، ويحوّل تعهد اللجنة المالية من بيان صحفي إلى نص ملزم؟

منهجية التحقيق

اعتمد هذا التحقيق على وثائق وبيانات رسمية صادرة عن الدائرة الإعلامية لمجلس النواب واللجنة المالية النيابية وهيئة النزاهة الاتحادية ووزارة المالية، وعلى جداول أعمال الجلسات المنشورة، وعلى قراءة فنية منشورة لنص مشروع قانون الحساب الختامي لسنة 2013، إضافة إلى تصريحات موثقة لنواب ومختصين.

وتُعرض الأرقام المنسوبة إلى تقارير ديوان الرقابة المالية الاتحادي بوصفها «وفق ما ورد في المصدر»، لأن تلك التقارير غير منشورة بنصها الكامل. ولا يُعدّ ثبوت مخالفة مالية في تقرير رقابي ثبوتاً لجريمة ما لم يصدر حكم قضائي بات.

وقد سعى معدّو التحقيق إلى الحصول على تعليق من وزارة المالية وديوان الرقابة المالية الاتحادي بشأن مشروع 2015 وبند إنفاق الإقليم؛ ولم يصدر عن الجهتين موقف معلن حتى لحظة النشر، والمساحة مفتوحة للرد.

اشترك في مجموعة منصة تفكيك  💬 🗯️

https://chat.whatsapp.com/IW9iINmcKo1C5iClPzzBM9?mode=gi_t

رابط المنصة:

https://uliraq.com/

  • Related Posts

    • 2 views
    الصندوق الأسود لـ الكاظمي.. ثروة فلكية بمليارات الدولارات تطيح بـ “أحمد نجات”

    • 1 views
    حكومة الزيدي تستكمل مسار السوداني في التنمية والسلام بعيداً عن الهدم

    0 0 الأصوات
    Article Rating
    الاشتراك
    نبّهني عن
    guest

    0 تعليقات
    الأقدم
    الأحدث الأكثر تصويت

    You Missed

    الصندوق الأسود لـ الكاظمي.. ثروة فلكية بمليارات الدولارات تطيح بـ “أحمد نجات”

    الصندوق الأسود لـ الكاظمي.. ثروة فلكية بمليارات الدولارات تطيح بـ “أحمد نجات”

    الحساب الذي لم يُقرأ.. 113 تريليون دينار سلفاً بلا كشوفات.. و15 تريليون خارج تدقيق الرقابة

    الحساب الذي لم يُقرأ.. 113 تريليون دينار سلفاً بلا كشوفات.. و15 تريليون خارج تدقيق الرقابة

    حكومة الزيدي تستكمل مسار السوداني في التنمية والسلام بعيداً عن الهدم

    حكومة الزيدي تستكمل مسار السوداني في التنمية والسلام بعيداً عن الهدم

    بيان شديد اللهجة من السوداني بشأن استهداف الحشد الشعبي: العراق يحتفظ بحقه بالرد

    بيان شديد اللهجة من السوداني بشأن استهداف الحشد الشعبي: العراق يحتفظ بحقه بالرد

    سرقة القرن بأضعاف مضاعفة: السلف النقدية بلا غطاء تسرق ميزانية العراق بأكمله

    سرقة القرن بأضعاف مضاعفة: السلف النقدية بلا غطاء تسرق ميزانية العراق بأكمله

    ما هي الموازنة الفعلية للكهرباء في حقبة حكومة السوداني؟ (فيديو)