السوداني في مختبر التضليل.. 76 ادعاءً تكشف صناعة الإلغاء السياسي في العراق

تفكيك📍 –

كتب منتصر صباح الحسناوي: تكشف دراسة جديدة عن علاقة متشابكة بين التضليل السياسي وثقافة الإلغاء في البيئة الرقمية العراقية، متخذة من رئيس مجلس الوزراء السابق محمد شياع السوداني حالة للدراسة، ومستندة في تحليلها إلى الأفكار والمحاور التي يطرحها كتاب “ثقافة الإلغاء”.

وتحاول الدراسة الانتقال من مجرد رصد الأخبار الكاذبة والمعلومات المضللة إلى البحث في وظيفتها السياسية، وكيف يمكن للادعاء غير الصحيح أن يتحول من مادة إعلامية عابرة إلى أداة لإعادة تشكيل صورة السياسي في الوعي العام، وصولاً إلى نزع الشرعية عنه أو التشكيك في نزاهته وكفاءته وولائه وإرثه السياسي.

واعتمدت الدراسة على حصر 76 وحدة ادعاء خضعت للتحقق، ونشرت خلال الفترة الممتدة من إعلان ترشيح السوداني لرئاسة الوزراء في 25 يوليو 2022 وحتى 31 يوليو 2026. وجرى تصنيف هذه الوحدات بحسب تاريخ ظهورها والمرحلة السياسية وشكلها الاتصالي وموضوعها ومستوى صلتها بالإلغاء السياسي، مع استبعاد النقد السياسي المشروع والآراء والتقييمات التي لا تتضمن ادعاءً قابلاً للتحقق.

وتظهر النتائج أن 61.8 في المئة من وحدات العينة تضمنت إلغاءً مباشراً استهدف واحداً أو أكثر من عناصر المكانة السياسية، مثل النزاهة والكفاءة والولاء والشرعية والإرث السياسي. في المقابل، شكلت الادعاءات غير المباشرة، التي قامت على وعود أو قرارات وسياسات منسوبة إلى السوداني، 28.9 في المئة من العينة، بينما بلغت المواد السياقية 9.2 في المئة.

ولا توزعت هذه الظاهرة بالتساوي على السنوات الأربع التي شملها الرصد. فقد سجل عام 2022 نحو 25 في المئة من وحدات العينة، بواقع 19 ادعاءً، فيما بلغ العدد في عام 2023 نحو 14 وحدة، أي 18.4 في المئة. وتراجع الحضور في عام 2024 إلى ثلاث وحدات فقط، بما يعادل 3.9 في المئة من العينة، قبل أن يقفز مجدداً في عام 2025 إلى 26 وحدة، أي 34.2 في المئة، وهي النسبة الأعلى في الدراسة. أما عام 2026 فسجل 14 وحدة، بنسبة 18.4 في المئة حتى نهاية يوليو.

وتشير هذه الأرقام، وفق قراءة الدراسة، إلى أن التضليل لا يظهر بالضرورة مع بداية التجربة السياسية ثم يتراجع، بل يمكن أن يعاود الصعود في مراحل التحول السياسي، عندما تصبح صورة المسؤول وإرثه ونتائج تجربته التنفيذية موضوعاً لإعادة التفسير والصراع.

ومن أبرز ما توصلت إليه الدراسة انتقال التضليل من اختلاق مضمون الخبر إلى تصنيع ما يشبه الدليل عليه. فقد شكلت القوالب الإخبارية المفبركة 38.2 في المئة من مجموع وحدات العينة، بينما استخدم 65.8 في المئة من الادعاءات شاهداً بصرياً أو سمعياً أو وثائقياً يمنح الرواية المضللة مظهراً يوحي بالموثوقية.

وهنا تكمن إحدى أخطر سمات البيئة الرقمية، بحسب الدراسة، إذ لم يعد الادعاء الكاذب يعتمد على العبارة وحدها، بل أصبح قادراً على ارتداء هيئة خبر صحفي أو وثيقة رسمية أو تسجيل صوتي أو صورة أو لقطة شاشة. ويؤدي هذا الشكل إلى نقل المتلقي من مرحلة الشك في المعلومة إلى التعامل معها بوصفها واقعة موثقة، حتى عندما يكون “الدليل” نفسه جزءاً من عملية التصنيع.

وتستخلص الدراسة ستة أنماط رئيسية في صناعة الإلغاء السياسي. أولها “الإلغاء الاستباقي”، ويقوم على صناعة صورة سلبية للشخصية قبل أن تبدأ تجربتها التنفيذية فعلياً. وفي حالة السوداني، رصدت الدراسة 14 وحدة ادعاء ظهرت قبل تشكيل الحكومة، بما يشير إلى أن المعركة على صورة السياسي يمكن أن تبدأ قبل وصوله إلى موقع المسؤولية.

أما النمط الثاني فهو “الإلغاء عبر الوعد المختلق”، حيث ينسب إلى المستهدف وعد أو قرار لم يصدر عنه، ثم تتم محاسبته لاحقاً على أساس هذا الوعد المصنوع. وسجلت الدراسة 23 وحدة ضمن فئة الوعود والسياسات، بما يعكس قدرة التضليل على خلق معيار افتراضي للحكم على المسؤول.

ويظهر “تصنيع الدليل” بوصفه نمطاً ثالثاً أكثر تعقيداً، إذ لا يكتفي منتج التضليل باختلاق الادعاء، وإنما يبحث عن مادة تمنحه مظهراً توثيقياً. وقد استخدمت نسبة كبيرة من الوحدات التي رصدتها الدراسة شواهد بصرية أو سمعية أو وثائقية، الأمر الذي يجعل مواجهة التضليل أكثر صعوبة، لأن التصحيح لا يعود متعلقاً بمعلومة مجردة، وإنما بمادة تبدو للمتلقي وكأنها دليل مستقل.

أما “الإلغاء المركب” فيقوم على جمع أكثر من اتهام داخل رواية واحدة، بحيث لا يستهدف الادعاء جانباً واحداً من صورة السياسي، بل يراكم اتهامات تتصل بالنزاهة والكفاءة والولاء والشرعية والإرث. وتصبح النتيجة النهائية أقل ارتباطاً بصحة كل اتهام على حدة، وأكثر ارتباطاً بإنتاج انطباع عام بأن الشخصية غير جديرة بالثقة.

وفي النمط الخامس، الذي تسميه الدراسة “الإلغاء بالتناقض”، يمكن أن تتعايش اتهامات متناقضة في روايات مختلفة، لكن نتيجتها السياسية واحدة، وهي سحب الثقة من المستهدف. ومن الأمثلة التي تناولتها الدراسة روايات تصف الشخصية في الوقت نفسه بأنها تابعة لإيران أو للولايات المتحدة أو لإسرائيل، رغم التناقض الواضح بين هذه الاتهامات.

أما النمط الأخير فهو “إلغاء الإرث”، حيث لا يتوقف الصراع على السياسي عند مغادرته المنصب، بل تبدأ محاولة إعادة كتابة المرحلة التي قادها، بهدف تجريمها أو نزع قيمتها السياسية. وتشير الدراسة إلى أن جميع وحدات ما بعد الحكومة التي شملها الرصد حملت إلغاءً مباشراً، وهو ما يطرح سؤالاً أوسع بشأن تحول الذاكرة السياسية نفسها إلى ساحة جديدة للصراع الرقمي.

ولا تنظر الدراسة إلى كل نقد سياسي باعتباره تضليلاً أو إلغاءً. فقد استبعدت الآراء والتقييمات والنقد المشروع الذي لا يتضمن ادعاءً قابلاً للتحقق، وهو تمييز مهم بين ممارسة سياسية وإعلامية طبيعية وبين صناعة رواية تقوم على معلومات يمكن إثبات عدم صحتها.

وتخلص الدراسة إلى أن التضليل في البيئة الرقمية العراقية لا يعمل دائماً بوصفه محاولة لإقناع الجمهور بحقيقة بديلة، وإنما قد يعمل بوصفه آلية لإضعاف صورة شخصية سياسية بصورة تراكمية. فكل ادعاء قد يكون صغيراً أو محدود التأثير، لكن تراكم الادعاءات حول النزاهة والكفاءة والولاء والشرعية يمكن أن ينتج في النهاية صورة ذهنية متماسكة، حتى عندما تكون مكوناتها منفصلة أو متناقضة أو غير صحيحة.

وتقترح الدراسة إنشاء مرصد دائم للادعاءات السياسية، يتولى بناء قاعدة بيانات وطنية مستقلة ومفتوحة، تجمع الادعاءات وتوثق مصادرها وتصنفها بحسب موضوعاتها وتاريخها ومستوى انتشارها، بما يسمح برصد إعادة تدوير المعلومات المضللة وكشف الادعاءات التي تعود إلى الواجهة بعد تغيير صياغتها أو إخراجها في قالب جديد.

كما تدعو إلى استجابة مؤسسية سريعة ومحددة، من خلال تشكيل فرق رصد واتصال قادرة على معالجة الادعاءات بالبيانات الدقيقة، وتصحيح المعلومات الخاطئة بالأدلة الموثقة وبالقالب والمنصة نفسيهما اللذين استخدما في نشر الادعاء.

وتشير الخلاصة الأوسع للدراسة إلى أن معركة الثقة السياسية لم تعد تدور فقط داخل البرلمان أو المؤسسات الرسمية أو وسائل الإعلام التقليدية، بل انتقلت إلى فضاء رقمي يمكن فيه لصورة مزيفة أو وثيقة مصطنعة أو تسجيل مجتزأ أن يدخل سباقاً سريعاً مع الحقيقة. وفي هذا الفضاء، لا تكمن خطورة التضليل في كذب الادعاء وحده، بل في قدرته على إنتاج أثر سياسي حقيقي قبل أن تصل عملية التحقق إلى الجمهور.

اشترك في مجموعة منصة تفكيك  💬 🗯️

https://chat.whatsapp.com/IW9iINmcKo1C5iClPzzBM9?mode=gi_t

رابط المنصة:

https://uliraq.com/

  • Related Posts

    • 8 views
    كتلة برلمانية نافذة تفتح ملفات فساد “الشركة العربية العراقية لتنمية الثروة الحيوانية”

    • 9 views
    أمين بغداد يعلن: إنجاز 150 متنزهاً والعمل مستمر لتحويل “حزام العاصمة” إلى واقع

    0 0 الأصوات
    Article Rating
    الاشتراك
    نبّهني عن
    guest

    0 تعليقات
    الأقدم
    الأحدث الأكثر تصويت

    You Missed

    السوداني في مختبر التضليل.. 76 ادعاءً تكشف صناعة الإلغاء السياسي في العراق

    السوداني في مختبر التضليل.. 76 ادعاءً تكشف صناعة الإلغاء السياسي في العراق

    كتلة برلمانية نافذة تفتح ملفات فساد “الشركة العربية العراقية لتنمية الثروة الحيوانية”

    كتلة برلمانية نافذة تفتح ملفات فساد “الشركة العربية العراقية لتنمية الثروة الحيوانية”

    أمين بغداد يعلن: إنجاز 150 متنزهاً والعمل مستمر لتحويل “حزام العاصمة” إلى واقع

    أمين بغداد يعلن: إنجاز 150 متنزهاً والعمل مستمر لتحويل “حزام العاصمة” إلى واقع

    تدقيق شامل لذمم المسؤولين من 2005 إلى 2026

    تدقيق شامل لذمم المسؤولين من 2005 إلى 2026

    نقص السيولة وفتح ملف “داري” والحسابات الختامية في قمة الاهتمام الإعلامي

    نقص السيولة وفتح ملف “داري” والحسابات الختامية في قمة الاهتمام الإعلامي

    أرقام المنهاج البلدي لامانة بغداد: كيف أنعشت الانجازات آمال البغداديين في عاصمة مثالية؟

    أرقام المنهاج البلدي لامانة بغداد: كيف أنعشت الانجازات آمال البغداديين في عاصمة مثالية؟