من المسؤول إذا لم يكن الوزير؟

تفكيك📍 –

أياد السماوي

كتب الدكتور لؤي الخطيب وزير الكهرباء الأسبق ، مقالًا بعنوان ( مَن يتحمل مسؤولية الفاسد في الحكومة؟ ) ناقش فيه ما أعلنه دولة رئيس مجلس الوزراء بشأن تحميل الوزير مسؤولية استمرار أيّ وكيل أو مدير عام فاسد في منصبه ، ورأى أنّ تحميل الوزير هذه المسؤولية يتعارض مع العمل المؤسسي ، وأنّ المسؤولية ينبغي أن تكون مؤسساتية وتضامنية ، لا فردية ..

ومع كامل الاحترام والتقدير للدكتور الخطيب ، فإنني أختلف معه في هذه المسألة اختلافًا جوهريًا ، لأنّ القضية لا تتعلق بتحميل الوزير مسؤولية جريمة فساد ارتكبها شخص آخر ، وإنما تتعلق بمسؤوليته عن إدارة وزارته ، وعن القيادات التي تعمل تحت سلطته ، وعن استمرار الفاسد أو المقصر في موقعه بعدما أصبح الوزير قادرًا على تغييره ومحاسبته ..
قال رسول الله (ص) كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته .. وهذا الحديث الشريف لم يكن موعظة أخلاقية فحسب ، بل وضع قاعدة عظيمة في الحكم والإدارة ، تقوم على أنّ كل من مُنح سلطة ، حُمّل معها مسؤولية ، وكلما اتسعت الولاية ، اتسعت معها المحاسبة ، وكلما كبرت الصلاحيات ، كبرت المسؤولية ..

فالوزير ليس مجرّد موظف يتوّلى منصبًا رفيعًا ، ولا واجهة سياسية لوزارة يديرها الآخرون من خلفه ، بل هو المسؤول الأول عن حسن إدارتها ، وعن سلامة أدائها ، وعن متابعة تشكيلاتها وقياداتها ، وعن اتخاذ الإجراءات اللازمة بحق من يثبت فساده أو تقصيره أو عجزه عن أداء واجبه .. وهذه ليست وجهة نظر شخصية ، بل هي جوهر المسؤولية في الإسلام ، وفي الدستور ، وفي القانون ، وفي جميع النظم الإدارية ..

إنّ الاعتراض على تحميل الوزير مسؤولية بقاء الفاسد في منصبه ينطلق  في تقديري ، من خلط واضح بين نوعين مختلفين من المسؤولية .. أولهما المسؤولية الجزائية التي لا يتحملها إلا مرتكب الجريمة ، وثانيهما المسؤولية الدستورية والقانونية والإدارية التي يتحملها من أُنيطت به إدارة المؤسسة والإشراف عليها .. فلا أحد يقول إنّ الوزير يتحمل الجريمة التي يرتكبها وكيل الوزارة أو المدير العام ، لأن المسؤولية الجزائية شخصية ، ولا يُسأل الإنسان عن فعل غيره .. لكن الوزير يتحمل مسؤولية استمرار هذا المسؤول في موقعه إذا توافرت بحقه مؤشرات جدّية أو تقارير رقابية أو أدلة إدارية تستوجب التحقيق أو سحب اليد أو الإبعاد ، ولم يتخذ الوزير ما يلزم .. كما يتحمل الوزير مسؤولية ضعف الرقابة ، والتهاون في المتابعة ، وعدم تفعيل أدوات المحاسبة ، وترك مفاصل الوزارة نهبًا للفاسدين والمتنفذين ..

فالدستور لم يجعل الوزير عضوًا في الحكومة للتشريف ، وإنما جعله مسؤولًا عن وزارته وأدائها أمام رئيس مجلس الوزراء ومجلس النواب والرأي العام .. كما أنّ القوانين النافذة لم تمنحه صلاحيات الإشراف والتقييم والمساءلة واتخاذ الإجراءات الإدارية والانضباطية عبثًا ، بل منحته هذه الصلاحيات ليستخدمها في حماية وزارته والمال العام وحسن سير المرفق العام .. ومن يملك سلطة الإبقاء، يتحمل مسؤولية الإبقاء، ومن يملك صلاحية التغيير ولا يستخدمها لا يستطيع أن يتنصل من نتائج تقاعسه ..

أما القول إنّز اختيار القيادات يجب أن يتم من خلال لجان مهنية ، فهو أمر لا خلاف عليه من حيث المبدأ ، بل قد يكون ضروريًا لضمان الكفاءة والنزاهة ومنع الاجتهادات الفردية .. لكنّ هذه اللجان لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة لتذويب المسؤولية أو توزيعها حتى تضيع ..

فاللجنة تقابل وتقيّم وتوصي، أما الوزير فهو الذي يوافق ويتابع ويحاسب وهو الذي يتحمل في النهاية المسؤولية القانونية والإدارية عن أداء وزارته والعمل المؤسسي لا يعني غياب المسؤول بل يعني وضوح الصلاحيات وتسلسل المسؤوليات وخضوع الجميع للمساءلة .. ولو أخذنا بفكرة أنّ الوزير لا يتحمل مسؤولية القيادات التي تعمل تحت سلطته، لتحوّل كل إخفاق إلى سلسلة طويلة من الأعذار، فالوزير يلقي بالمسؤولية على الوكيل ، والوكيل يلقيها على المدير العام ، والمدير العام يلقيها على اللجنة  واللجنة تلقيها على الموظف ، وفي النهاية تضيع المسؤولية ولا يُحاسب أحد ..

وهذا في الحقيقة ، هو أحد أخطر ما عانت منه الدولة العراقية خلال السنوات الماضية ، مسؤولون يملكون الصلاحيات كاملة ، لكنهم يتنصلون من المسؤولية عند الفشل أو انكشاف الفساد ..

إن تحميل الوزير مسؤولية بقاء الفاسد في موقعه لا يعني إدانة الناس بالشبهات ، ولا يعني تجاوز القانون .. فلا يجوز اتهام أحد بالفساد من دون أدلة ، ولا يجوز استخدام مكافحة الفساد لتصفية الحسابات أو إقصاء الكفاءات .. لكن في المقابل لا يجوز أيضًا أن تتحول عبارة ( لم يصدر حكم قضائي بات ) إلى ذريعة لإبقاء المسؤول المتهم أو المقصر في موقع حساس يتحكم بالمال العام والقرار الإداري .. فهناك فرق بين الإدانة الجزائية التي يختص بها القضاء ، وبين الإجراءات الإدارية والاحترازية التي تفرضها حماية المؤسسة والمصلحة العامة ..

وما أراده رئيس مجلس الوزراء اليوم ، في جوهره ، هو إعادة هذا المبدأ إلى مكانه الصحيح .. لا سلطة بلا مسؤولية ، ولا مسؤولية بلا محاسبة .. وهو المبدأ نفسه الذي وضعه رسول الله (ص) بقوله ( كلكم راع ، وكلكم مسؤول عن رعيته ) ..

إنّ أخطر ما أصاب الدولة العراقية خلال العقدين الماضيين لم يكن الفساد وحده ، بل ضياع المسؤولية .. فكل مسؤول كان يبحث عمّن يحمّله الفشل حتى أصبح الفساد بلا مسؤول ، والإخفاق بلا محاسب ..

اشترك في مجموعة منصة تفكيك  💬 🗯️

https://chat.whatsapp.com/IW9iINmcKo1C5iClPzzBM9?mode=gi_t

رابط المنصة:

https://uliraq.com/

  • Related Posts

    • 4 views
    كتلة نيابية تعترض على الحسابات الختامية: مرسلة من حكومة الكاظمي

    • 4 views
    رصد الميديا.. فضيحة الخطوط الوهمية: أسماء مواطنين عراقيين تُستخدم بلا علمهم وتسريب مستمسكات إلى أربيل

    0 0 الأصوات
    Article Rating
    الاشتراك
    نبّهني عن
    guest

    0 تعليقات
    الأقدم
    الأحدث الأكثر تصويت

    You Missed

    كتلة نيابية تعترض على الحسابات الختامية: مرسلة من حكومة الكاظمي

    كتلة نيابية تعترض على الحسابات الختامية: مرسلة من حكومة الكاظمي

    من المسؤول إذا لم يكن الوزير؟

    من المسؤول إذا لم يكن الوزير؟

    رصد الميديا.. فضيحة الخطوط الوهمية: أسماء مواطنين عراقيين تُستخدم بلا علمهم وتسريب مستمسكات إلى أربيل

    رصد الميديا.. فضيحة الخطوط الوهمية: أسماء مواطنين عراقيين تُستخدم بلا علمهم وتسريب مستمسكات إلى أربيل

    بعد إغلاق هرمز وتوقف نفط الجنوب.. السوداني يدعو إلى ربط طريق التنمية بممرات الصين وآسيا الوسطى وصولاً إلى أوروبا

    بعد إغلاق هرمز وتوقف نفط الجنوب.. السوداني يدعو إلى ربط طريق التنمية بممرات الصين وآسيا الوسطى وصولاً إلى أوروبا

    مقرب من المالكي يدعو الفصائل الى عدم التخلي عن السلاح خوفا من هولاكو

    مقرب من المالكي يدعو الفصائل الى عدم التخلي عن السلاح خوفا من هولاكو

    الأعرجي يطالب بتحويل تقارير الرقابة المالية من تشخيصٍ للمخالفات إلى إجراءاتٍ رادعة

    الأعرجي يطالب بتحويل تقارير الرقابة المالية من تشخيصٍ للمخالفات إلى إجراءاتٍ رادعة