مجلس النواب العراقي أمام معادلة (170-75)، وصرخةُ “زعامة السوداني” تُسمَع عند أنقاض “إمبراطورية المالكي”

تفكيك📍 –

لم يمضِ على منح مجلس النواب العراقي الثقةَ لحكومة علي فالح الزيدي سوى ساعات، حتى كانت بغداد السياسية تشهد ما لم يشهده المشهد العراقي منذ سنوات: انقساماً صريحاً، علنياً، بأرقام معلنة، يُفرز جبهتين لا مكان بينهما للرمادي.

جبهةٌ تجمعها المشتركاتُ الوطنية بزعامة محمد شياع السوداني، وتدّعي امتلاكها 170 نائباً — أكثر من نصف المجلس — وتتحرك بأريحية.

وجبهةٌ يقودها نوري المالكي مع حلفائه، تتحصّن بـ 75 نائباً يقول عنهم قياديو الجبهة الأولى صراحةً إنهم لا يُجيدون سوى ممارسة الضغط.

الرسالة وصلت كاملةً غير منقوصة، وأكثر ما في الأمر صدمةً للمتابعين أنها لم تصدر في بيان رسمي، بل في تغريدة مباشرة ومشحونة بالثقة لعضو ائتلاف الإعمار والتنمية مشرق الفريجي (نُقلت بلغتها العامية كما وردت):

“أغلب قوى الإطار، وكل قوى المجلس السياسي عدا عزم، وأغلب قوى كردستان… 170 نائبا، وأبو الـ75 خلّي يصرفهن خردة! والي يريد يجي هلا بي قبل لا يفوت القطار!!”
قصي محبوبة يرسم الخارطة: هكذا مات زمن المالكي
في موازاة تغريدة الفريجي، نشر القيادي في ائتلاف الإعمار والتنمية قصي محبوبة تدوينةً باتت الأكثر تداولاً في الأوساط السياسية العراقية يوم السبت، رسم فيها بتسلسل دقيق وهادئ صعودَ نجم السوداني وأفولَ نجم المالكي، مستنداً إلى ست محطات متتالية:

* تكليفُ رئيس مجلس النواب تمّ دون موافقة المالكي، ويدُ السوداني واضحةٌ في الاتفاق.
* تكليف رئيس الجمهورية جرى رغم معارضة المالكي، وكان السوداني حجرَ الزاوية.
* تشكّلت الحكومة دون أن تشمل وزراءَ دولة القانون في الحقائب المحسومة.
* مرّر السوداني وزراءه بسلاسة، فيما تعثّر المالكي في تمرير مرشحيه.
* تنازل السوداني للمالكي فظهر واثقاً مستغنياً، أما المالكي فأبى التنازل فبدا متشبثاً.
* دعم السوداني ترشيح الزيدي رغم أنه الفائز الأول، فـ”من هو الزعيم اليوم؟”
خلاصة محبوبة: “انتهت زعامة المالكي وبدأت زعامة السوداني”.
الجبهة المضادة: المالكي يُعلن تحالف “الأقوياء”

في الوقت الذي تتحدث فيه منظومة السوداني بلغة الـ170 نائباً، تتجه خمس قوى بارزة داخل الإطار التنسيقي إلى تشكيل تحالف جديد يضمّ رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، ورئيس تحالف الفتح هادي العامري، ورئيس حركة عطاء فالح الفياض، ورئيس المجلس الأعلى الإسلامي همام حمودي، ورئيس كتلة “سند” أحمد الأسدي.

التحالف الجديد لا يُخفي هدفه: استرداد ما ضاع، والضغط على حكومة الزيدي في ملفات الحقائب التسع المؤجّلة وفي مقدمتها الداخلية والدفاع. غير أن المسألة تتجاوز الحقائب الوزارية غير المحسومة لتصل إلى سؤال أكثر عمقاً يتعلق بمن يمتلك القرار الشيعي في العراق خلال المرحلة المقبلة.

“زلزال الانسحابات”: العقد الوطني وسومريون يغادران الإعمار والتنمية
في مشهد زاد الأمرَ تعقيداً، أعلنت كتلة العقد الوطني وحركة سومريون وعدد من النواب انسحابهم الرسمي من الكتلة البرلمانية التي تشكّلت بعد الانتخابات الأخيرة، في أول انقسام سياسي يضرب تحالف الإعمار والتنمية بعد ساعات فقط من تمرير حكومة الزيدي.
وأعلنت كتل العقد الوطني والسومريون وكتل أخرى انسحاب نحو 28 نائباً من تحالف الإعمار والتنمية، في خطوة وصفتها مصادر سياسية بـ”زلزال الانسحابات”.

وأكدت الكتل المنسحبة أنها تابعت بأسفٍ شديد “محاولاتِ انتزاع الاستحقاقات الدستورية ممن منحهم الشعبُ ثقتَه، والتعامل مع الملفات السياسية بعقلية تصفية الحسابات الشخصية”، معلنةً أن “رئاسة كتلة الإعمار والتنمية تتحمل جانباً من المسؤولية السياسية والأخلاقية عمّا حدث”.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن فالح الفياض، رئيس حركة عطاء والمشمول بتحالف المالكي الجديد، كان حتى أمس جزءاً من ائتلاف الإعمار والتنمية مع العقد الوطني — ما يعني أن الانقسام يمشط الصفوف الداخلية للتحالفين معاً، لا فقط بينهما.

الأرقام على الميزان: 170 مقابل 75 … هل هي حقيقية؟
التدقيق في المعادلة الرقمية يكشف تفاصيل مثيرة، فجبهة السوداني المُعلنة تستند وفق الفريجي إلى:
* قوى الإطار التنسيقي المنحازة للسوداني (تيار الحكمة، ائتلاف النصر، صادقون، منظمة بدر).
* كل قوى المجلس السياسي السني باستثناء تحالف العزم.
* أغلب قوى كردستان (الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني).

في المقابل، يرى محللون أن تشكّل محور جديد بقيادة المالكي والعامري والفياض قد يعيد رسم خارطة التحالفات البرلمانية، خصوصاً إذا نجح في استقطاب قوى سنية مثل تحالف “العزم”، ما قد يفتح الباب أمام تحالف قائم على المصالح السياسية لا على الهوية المذهبية.

لكن التناقض واضح: هادي العامري يظهر في تحالف المالكي الجديد، بينما يؤكد مصدرٌ في الإطار التنسيقي أن الساعات التي سبقت التصويت شهدت خلافات كبيرة جداً بين القوى السياسية، خصوصاً بشأن الوزارات الأمنية والخدمية ذات الموازنات العالية، تحديداً وزارتي الداخلية والنفط، وأن بعض الخلافات لم تنتهِ بل تم تأجيلها فقط.

إيران في القلب من الأزمة
المشهد لا يقتصر أثره على بغداد. تبدو إيران معنيةً بشكل مباشر بما يجري، لأن وحدة البيت الشيعي في العراق كانت ولا تزال تمثّل إحدى أهمّ ركائز نفوذها الإقليمي. لذلك فإن تفاقم الانقسامات الحالية يضعها أمام معضلة حقيقية: إمّا التدخلُ لإعادة ترميم التوازنات ومنع الانفجار السياسي، وإمّا القبولُ بإعادة تشكيل المشهد الشيعي على أسس جديدة قد تُفرز مراكز قوة أقلَّ انضباطاً وأكثرَ تنافسية.

ما بعد الأضحى: موعد الحقيقة
أُرجئ التصويت على 9 حقائب — هي الداخلية والدفاع والتخطيط والإعمار والعمل والشباب والتعليم والثقافة والهجرة — إلى وقت لاحق، وسط توقعات برلمانية بعقد جلسة لاستكمالها بعد عطلة عيد الأضحى.

تلك الجلسة ستكون المحك الحقيقي لمعادلة 170 مقابل 75. فإذا نجحت منظومة السوداني في تمرير حقائبها في الوزارات السيادية كما مرّرت وزراءها الـ14، كانت قد أنجزت ما لم ينجزه أحد في تاريخ العراق السياسي الحديث: تحويل الانتصار الانتخابي إلى هيمنة حكومية فعلية دون أن يكون رئيساً للوزراء.

أما إذا أفلح تحالف الـ75 في إعادة رسم الخارطة، فإن بغداد مقبلة على انسداد جديد، لكنه هذه المرة انسداد من نوع مختلف: لا يُفرز مرشح توافق من خارج الصراع، بل يُغرق حكومة قائمة بحروب داخلية لا أفق واضح لنهايتها.

الخلاصة، أن مجلس النواب العراقي يعيش لحظة تاريخية فارقة. الأرقامُ تقول إن السوداني يقود أكبرَ كتلة برلمانية في تاريخ العراق منذ 2003. والمالكي يقاتل بـ٧٥ درعاً لحماية ما تبقّى من نفوذه. وبين الجبهتين، حكومةٌ ناقصة تسعَ وزارات، وشعبٌ ينتظر الكهرباء.

اشترك في مجموعة منصة تفكيك  💬 🗯️

https://chat.whatsapp.com/IW9iINmcKo1C5iClPzzBM9?mode=gi_t

رابط المنصة:

https://uliraq.com/

  • Related Posts

    • 6 views
    لماذا يخلو البرنامج الحكومي للزيدي من ملف اخراج القوات الاجنبية؟

    • 4 views
    لماذا تسكت حكومة الزيدي على اعتقال مواطن عراقي؟

    0 0 الأصوات
    Article Rating
    الاشتراك
    نبّهني عن
    guest

    0 تعليقات
    الأقدم
    الأحدث الأكثر تصويت
    Inline Feedbacks
    عرض جميع التعليقات

    You Missed

    لماذا يخلو البرنامج الحكومي للزيدي من ملف اخراج القوات الاجنبية؟

    لماذا يخلو البرنامج الحكومي للزيدي من ملف اخراج القوات الاجنبية؟

    لماذا تسكت حكومة الزيدي على اعتقال مواطن عراقي؟

    لماذا تسكت حكومة الزيدي على اعتقال مواطن عراقي؟

    مجلس النواب العراقي أمام معادلة (170-75)، وصرخةُ “زعامة السوداني” تُسمَع عند أنقاض “إمبراطورية المالكي”

    مجلس النواب العراقي أمام معادلة (170-75)، وصرخةُ “زعامة السوداني” تُسمَع عند أنقاض “إمبراطورية المالكي”

    دولة الحاشية.. والمالكي مفقود.. والشيباني صهر صخيل موجود

    دولة الحاشية.. والمالكي مفقود.. والشيباني صهر صخيل موجود

    علي الزيدي.. شركات ومليارات تداخل المصالح وينذر بخطر الاحتكار والثراء الفاحش

    علي الزيدي.. شركات ومليارات تداخل المصالح وينذر بخطر الاحتكار والثراء الفاحش

    أمين بغداد: إنجاز 150 متنزهاً والعمل مستمر لتحويل “حزام العاصمة” إلى واقع

    أمين بغداد: إنجاز 150 متنزهاً والعمل مستمر لتحويل “حزام العاصمة” إلى واقع