رياض الفرطوسي.. جمهورية المحاصصة

تفكيك📍 –

رياض الفرطوسي

منذ سقوط جدار النظام السابق في ربيع عام 2003، دخل العراق في تجربة سياسية فريدة من نوعها في المنطقة، جمعت بين وعد الديمقراطية وعبء المحاصصة الطائفية. بعد أكثر من عقدين من التجربة، يبدو أن جسد الدولة العراقية لم يلتئم بعد، بل هو يعيش حالة من “إعادة إنتاج الهشاشة” بشكل دوري، وكأن النظام السياسي صُمّم أصلاً ليكون عاجزاً عن تجاوز محنِه.

إن الجذور البنيوية للأزمة السياسية العراقية لا تكمن فقط في ممارسات الفاعلين السياسيين، بل في “اللبنات الأولى” التي بُني عليها المشروع السياسي بعد 2003. النظام الذي أقيم على أسس “التوافق الطائفي” (Consociationalism)، حيث تم توزيع المناصب السيادية كالغنائم بين المكونات (الكرد، الشيعة، السنة)، حوّل الدولة إلى ساحة لتقاسم النفوذ بدلاً من أن يكون إطاراً لبناء المواطنة المتساوية . وقد تطور هذا النظام بسرعة ليصبح أكثر تشدقاً من النماذج اللبنانية أو البلجيكية، إذ تحول إلى أداة في يد نخب حزبية ضيقة تسيطر على مفاصل الاقتصاد والأمن، وتستخدم الحصص الطائفية ذريعة لتبرير فشلها في تقديم الخدمات الأساسية أو بناء مؤسسات فعالة.

تعاني هذه النخبة السياسية، التي لم تنجح في التحول إلى “بنية تأسيسية مدنية”، من أزمة وجودية حادة. فهي عاجزة عن إنتاج خطاب سياسي حداثي، وتبدو أسيرة لماضيها القريب، مما أدى إلى تجميد خطابها الفكري تحت ضغط المصالح الفئوية والصراعات على السلطة . وقد نتج عن ذلك مشهد سياسي عصيّ على الفهم، حيث يتحول البرلمان إلى ساحة لتسوية المصالح الخاصة، ويصبح تشكيل الحكومة أشبه بعملية تفاوض معقدة تستغرق أشهراً بسبب تعدد الفيتوات واشتراطات الكتل المتناحرة.

في هذا السياق، يجد المواطن العراقي نفسه أمام طبقة سياسية فقدت قدرتها على التكيف مع متطلبات المرحلة. ففي ظلّ نظام يسمح بتسجيل أكثر من 400 حزب سياسي، وبتجزئة المشهد الانتخابي إلى عشرات القوائم المتنافرة، يصبح من المستحيل بلورة رؤى وطنية كبرى. وكما يشير الباحثون، فإن هذه الفوضى المؤسسية تخلق بيئة خصبة لنمو الفساد المالي والإداري، وتحول العراق إلى ساحة مفتوحة للتدخلات الخارجية المتنافسة.

على الصعيد الإقليمي والدولي، تعاني العملية السياسية من فخ “السيادة المستعارة”. فقرارات الحرب والسلم، وحتى توزيع الثروة النفطية، أصبحت خاضعة لميزان قوى خارجي معقدة. الولايات المتحدة، التي ساهمت في خلق هذه الفسيفساء الطائفية، تعترف اليوم بأن العراق أصبح يمثل حالة فشل سياسي، في حين تملأ إيران الفراغ الذي خلفه غياب الدولة الوطنية القوية . هذه التدخلات لا تقتصر فقط على الجانب الأمني، بل تمتد لتشمل تمويل الفصائل المسلحة وإعادة ترتيب التحالفات السياسية، مما يجعل إرادة الدولة العراقية أسيرة لحسابات لا تمت للمصلحة الوطنية بصلة .

ربما كانت الثورة الشعبية التي انطلقت في تشرين الأول 2019، والحركات الاحتجاجية اللاحقة، بمثابة جرس إنذار حقيقي لهذه الطبقة السياسية. لقد كشفت تلك الحركات عن فجوة عميقة بين نخب “2003” التي تمسكت بالسلطة، وأجيال شابة تطالب بدولة مدنية تحترم الكفاءة والمواطنة بعيداً عن المحاصصة والتقسيم الطائفي . لكن يبدو أن ردّ الفعل السياسي على تلك المطالب كان محدوداً وسطحياً، مما أعاد إنتاج الأزمة نفسها بصيغ مختلفة.

إن جوهر المأساة العراقية يكمن في أن النظام السياسي الحالي، الذي وُلد من رحم معارضة الاستبداد، نجح في هدم المؤسسة القديمة، لكنه فشل تماماً في بناء نموذج بديل قادر على استيعاب تطلعات المجتمع. الحاجة اليوم ليست إلى إصلاحات تجميلية أو تغيير في الأشخاص، بل إلى مراجعة جذرية لعقد الاجتماع الوطني. تحتاج بغداد إلى العودة إلى فكرة “الدولة الموحدة” والمواطنة المتساوية، بعيداً عن منطق الغنائم والتجزئة الذي حول العراق إلى جيوب موالية للخارج، ليظل حبيس مربع “إعادة إنتاج الهشاشة” الذي يبعده عاماً بعد عام عن أي أفق للاستقرار الحقيقي.

اشترك في مجموعة منصة تفكيك  💬 🗯️

https://chat.whatsapp.com/IW9iINmcKo1C5iClPzzBM9?mode=gi_t

رابط المنصة:

https://uliraq.com/

  • Related Posts

    • 4 views
    ضبط 10 ملايين دولار.. وعقارات في بغداد وصلاح الدين وأربيل لدى عدنان الجميلي

    • 3 views
    ضياء واجد المهندس.. دولة الحبايب

    0 0 الأصوات
    Article Rating
    الاشتراك
    نبّهني عن
    guest

    0 تعليقات
    الأقدم
    الأحدث الأكثر تصويت

    You Missed

    ضبط 10 ملايين دولار.. وعقارات في بغداد وصلاح الدين وأربيل لدى عدنان الجميلي

    ضبط 10 ملايين دولار.. وعقارات في بغداد وصلاح الدين وأربيل لدى عدنان الجميلي

    ضياء واجد المهندس.. دولة الحبايب

    ضياء واجد المهندس.. دولة الحبايب

    رياض الفرطوسي.. جمهورية المحاصصة

    رياض الفرطوسي.. جمهورية المحاصصة

    ائتلاف الإعمار والتنمية: حكومة السوداني مهدت لخطوات حصر السلاح بيد الدولة

    ائتلاف الإعمار والتنمية: حكومة السوداني مهدت لخطوات حصر السلاح بيد الدولة

    عدنان الجميلي .. شبكة عابرة للمكونات!!!

    عدنان الجميلي .. شبكة عابرة للمكونات!!!

    مشروع الحكومة لحصر السلاح امتداد لمشروع السوداني في احتكار الشرعية الأمنية

    مشروع الحكومة لحصر السلاح امتداد لمشروع السوداني في احتكار الشرعية الأمنية