“تسوية أم مكافأة؟”.. الحكومة تشعل أوسع عاصفة غضب بعد “سرقة القرن”

تفكيك📍 –

عبر متابعة مكثفة لمنصات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام العراقية خلال الساعات الماضية تم رصد موجة تفاعل غير مسبوقة أعقبت توضيح مجلس القضاء الأعلى بشأن آلية التسويات في قضايا الفساد، وفي مقدمتها ملف “سرقة القرن”. ولم يقتصر الجدل على القراءة القانونية للبيان، بل تحول إلى معركة سرديات تتنافس فيها العدالة والبراغماتية، بينما بدت منصات التواصل وكأنها محكمة شعبية مفتوحة تصدر أحكامها كل دقيقة.

ولم يكن البيان القضائي مجرد توضيح إجرائي بالنسبة لقطاع واسع من العراقيين، بل تحول إلى سؤال قديم يتجدد بثوب سياسي: هل يمكن للعدالة أن تساوم؟ ففي المخيال الشعبي لا تبدو الأموال مجرد أرقام يمكن استعادتها، وإنما ذاكرة لسنوات من الحرمان والخدمات المفقودة والفرص التي تبخرت. ولهذا جاءت ردود الفعل محملة بلغة الغضب أكثر من لغة القانون.

وأكد مجلس القضاء الأعلى أن استرداد الأموال العامة لا يلغي المساءلة القضائية، وأن القانون يجيز في بعض الحالات تخفيف الإجراءات أو العقوبات مقابل إعادة الأموال وفق ضوابط دستورية وقانونية، مشيراً إلى استعادة مئات المليارات من الدنانير مع استمرار الملاحقات القضائية بحق المتهمين وإصدار أحكام غيابية بحق عدد منهم، فضلاً عن استمرار إجراءات استرداد المتهم الرئيسي في القضية.

لكن هذه الرسائل لم تنهِ الجدل، إذ انقسمت الساحة السياسية والإعلامية بين من اعتبر استعادة الأموال أولوية عملية تمنع ضياع المال العام، وبين من رأى أن أي تسوية قد تُفهم شعبياً باعتبارها تخفيفاً للعقوبة أو تشجيعاً ضمنياً على الفساد، خصوصاً في القضايا التي تحولت إلى رموز للغضب الشعبي.

ورصدت الوكالة حضوراً لافتاً لهذا الانقسام في منشورات منصة “إكس” وفيسبوك، حيث تصدرت وسوم مرتبطة بـ”سرقة القرن” و”التسوية” و”نور زهير” قوائم النقاش، فيما انشغل آلاف المستخدمين بالمقارنة بين العقوبات التي تطال مرتكبي الجرائم البسيطة وبين المسارات القانونية المعتمدة في قضايا الفساد الكبرى. وتكررت تساؤلات بشأن حجم الأموال التي استعيدت مقارنة بإجمالي الأموال المختلسة، بينما طالب آخرون بمواصلة ملاحقة جميع المتورطين وعدم الاكتفاء بالمتهمين المعروفين.

وفي المقابل، دافع سياسيون وشخصيات عامة عن فكرة استرداد الأموال باعتبارها مكسباً للدولة، مؤكدين أن الخزينة العامة أولى باستعادة الأموال من بقائها خارج البلاد، وأن التسويات لا تعني إسقاط المسؤولية الجنائية أو إنهاء الملاحقات القضائية بحق المتهمين.

ومن خلال متابعة أنماط النشر، لاحظت الوكالة تكرار نصوص متشابهة في عشرات الحسابات خلال فترات زمنية متقاربة، سواء في الدفاع عن البيان أو مهاجمته، وهو ما أثار تساؤلات بين متابعين وخبراء إعلام رقمي حول وجود حملات إلكترونية منسقة هدفت إلى توجيه النقاش العام نحو روايات محددة. كما ظهرت حسابات حديثة الإنشاء شاركت بكثافة في التفاعل مع القضية مقارنة بعمرها الزمني المحدود.

ويبدو أن المعركة تجاوزت حدود الملف القضائي نفسه، لتتحول إلى صراع على تعريف العدالة في الوعي العام. ففي السياسة قد تُقاس النتائج بما يعود إلى خزينة الدولة، أما في الشارع فتُقاس بما يراه المواطن من مساواة أمام القانون. وبين المعيارين تتحرك القضية مثل مرآة تعكس أزمة ثقة تراكمت عبر سنوات، حتى بات كل بيان رسمي يُستقبل باعتباره بداية لرواية جديدة لا خاتمة لها.

ويشبه المشهد مدينة فانتازية يقف عند بوابتها حارسان؛ أحدهما يحمل ميزان العدالة، والآخر يحمل صندوق الأموال المستردة. كلاهما يقول إنه يحمي الدولة، لكن الجمهور لا ينظر إلى الأيدي، بل إلى الباب نفسه، متسائلاً: من الذي خرج منه أولاً… المال أم اللص؟ وفي تلك اللحظة لا يصبح الجدل حول نص قانوني فحسب، بل حول صورة الدولة في مخيلة مواطنيها، وهي الصورة التي قد يكون ترميمها أصعب بكثير من استرداد أي مبلغ مالي.

اشترك في مجموعة منصة تفكيك  💬 🗯️

https://chat.whatsapp.com/IW9iINmcKo1C5iClPzzBM9?mode=gi_t

رابط المنصة:

https://uliraq.com/

  • Related Posts

    • 6 views
    تفكيك “مثلث واشنطن – النجف – الحنانة” والتصورات المستقبلية

    • 8 views
    رصد التواصل: هل يشعل فخ تشييع خامنئي وفشل المفاوضات مع الفصائل أزمة سياسية عشية سفر رئيس الوزراء؟

    0 0 الأصوات
    Article Rating
    الاشتراك
    نبّهني عن
    guest

    0 تعليقات
    الأقدم
    الأحدث الأكثر تصويت

    You Missed

    تفكيك “مثلث واشنطن – النجف – الحنانة” والتصورات المستقبلية

    تفكيك “مثلث واشنطن – النجف – الحنانة” والتصورات المستقبلية

    رصد التواصل: هل يشعل فخ تشييع خامنئي وفشل المفاوضات مع الفصائل أزمة سياسية عشية سفر رئيس الوزراء؟

    رصد التواصل: هل يشعل فخ تشييع خامنئي وفشل المفاوضات مع الفصائل أزمة سياسية عشية سفر رئيس الوزراء؟

    تحقيق استقصائي يرفع السرية عن ملف الأمانات الضريبية.. المدون ياسر الجبوري يكشف مسار القرارات التي سبقت انفجار سرقة القرن

    تحقيق استقصائي يرفع السرية عن ملف الأمانات الضريبية.. المدون ياسر الجبوري يكشف مسار القرارات التي سبقت انفجار سرقة القرن

    “تسوية أم مكافأة؟”.. الحكومة تشعل أوسع عاصفة غضب بعد “سرقة القرن”

    “تسوية أم مكافأة؟”.. الحكومة تشعل أوسع عاصفة غضب بعد “سرقة القرن”

    محمد الخالدي: اصلاحات السوداني اجبرت الفاسدين على اخفاء الاموال .. ويجب تفعيل قانون “من أين لك هذا”

    محمد الخالدي: اصلاحات السوداني اجبرت الفاسدين على اخفاء الاموال .. ويجب تفعيل قانون “من أين لك هذا”

    الفايز: قادة الاطار عاتبوا الزيدي على دبابات عملية الفجر.. عدا السوداني المؤيد لاجراءات اعتقال الفاسدين

    الفايز: قادة الاطار عاتبوا الزيدي على دبابات عملية الفجر.. عدا السوداني المؤيد لاجراءات اعتقال الفاسدين