من مكبات النفايات إلى مواد تدخل في الحدائق والتارتان.. أمانة بغداد تطلق مشروعاً لإعادة هندسة المخلفات

تفكيك📍 –

في مشهد يعكس تحولات متسارعة في فلسفة الإدارة الحضرية للعاصمة العراقية، افتتح أمين بغداد عمار موسى كاظم معمل معالجة الإطارات المستهلكة، بوصفه أحد المشاريع التي تراهن عليها أمانة بغداد لإعادة صياغة العلاقة بين البيئة والاقتصاد، عبر تحويل واحدة من أكثر المخلفات تعقيداً وخطورة إلى مورد إنتاجي يدخل في سلسلة الصناعات المحلية والخدمات البلدية.

المشروع الذي نفذته دائرة الوحدات الإنتاجية بالتعاون مع شركة ابن رشد العامة وبالشراكة مع القطاع الخاص، يأتي في توقيت تواجه فيه المدن الكبرى تحديات متراكمة تتعلق بإدارة النفايات الصلبة، ولا سيما الإطارات التالفة التي لطالما شكلت عبئاً بيئياً بسبب بطء تحللها وارتباطها بمخاطر الحرائق والتلوث الهوائي وتكاثر الحشرات والأوبئة في مواقع الطمر العشوائي.

وفي كلمة حملت مضامين تتجاوز البعد الخدمي التقليدي، قال أمين بغداد إن المشروع يمثل “خطوة مهمة في معالجة واحدة من أبرز التحديات البيئية”، موضحاً أن المعمل يعتمد تقنيات حديثة لفرز وتقطيع وإعادة تدوير الإطارات التالفة وتحويلها إلى منتجات متعددة الاستخدام، من بينها الوقود البديل والحبيبات المطاطية التي تدخل في تصنيع مواد “الإنترلوك” و”المقرنص” وأرضيات “التارتان” المستخدمة في الحدائق والمتنزهات والمرافق الرياضية.

ويعكس المشروع، وفق مراقبين، توجهاً متنامياً داخل المؤسسات البلدية العراقية نحو تبني مفهوم “الاقتصاد الدائري”، وهو النموذج الذي يقوم على إعادة إدخال المخلفات في دورة الإنتاج بدلاً من التعامل معها كنفايات نهائية.

ويقول مختصون في الشأن البيئي إن العراق ظل لعقود يعتمد على حلول تقليدية للطمر والحرق، ما أدى إلى تفاقم الأزمات البيئية في المدن المكتظة، بينما تمثل مشاريع التدوير الحديثة محاولة للانتقال من “إدارة النفايات” إلى “استثمار النفايات”.

وفي سياق متصل، يشير مسؤولون في أمانة بغداد إلى أن المشروع لا يقتصر على الجانب البيئي فحسب، بل يحمل أبعاداً اقتصادية واضحة، إذ تسعى الأمانة إلى تقليل الاعتماد على الاستيراد في بعض المواد الداخلة في أعمال التبليط والتأهيل الحضري، فضلاً عن خلق دورة إنتاج محلية يمكن أن توفر فرص عمل مباشرة وغير مباشرة في مجالات الجمع والنقل والمعالجة والتصنيع.

وتعكس هذه المقاربة توجهاً أوسع داخل المؤسسات الحكومية العراقية نحو تعزيز الشراكات مع القطاع الخاص، في محاولة لتجاوز القيود المالية والإدارية التي واجهت المشاريع الخدمية خلال السنوات الماضية.

ويرى اقتصاديون أن إشراك القطاع الخاص في مشاريع إعادة التدوير يمنحها مرونة تشغيلية أكبر، ويخلق حوافز استثمارية في قطاعات كانت تُعد هامشية أو غير جاذبة سابقاً.

على صعيد آخر، حظي المشروع بتفاعل لافت على منصة [إكس] ، حيث تداول ناشطون ومهتمون بالشأن البيئي صوراً ومقاطع من افتتاح المعمل، معتبرين أن الخطوة تمثل تحولاً ضرورياً في إدارة المخلفات داخل العاصمة.

وكتب المدون العراقي أحمد الكناني في تدوينة متداولة أن “مشهد تدوير الإطارات أفضل بكثير من رؤيتها محترقة على أطراف المدن”، فيما رأى حساب مهتم بالتنمية الحضرية أن “بغداد بدأت أخيراً تتحدث بلغة المدن الحديثة التي تستثمر في النفايات بدل دفنها”.

كما تداول مختصون في الهندسة البيئية تدوينات تناولت أهمية استخدام الحبيبات المطاطية في أرضيات الملاعب والحدائق، لما توفره من مرونة وسلامة أعلى، فضلاً عن تقليل كلف الإنتاج مقارنة ببعض المواد المستوردة. واعتبر آخرون أن نجاح المشروع سيكون مرهوناً بقدرة الجهات البلدية على بناء منظومة متكاملة لجمع الإطارات المستهلكة ومنع تسربها إلى الأسواق العشوائية أو مواقع الحرق المفتوح.

وفي سياق أوسع، تبدو أمانة بغداد وهي تدفع باتجاه بناء منظومة إنتاجية داخلية تسعى من خلالها إلى تحقيق قدر من الاكتفاء الذاتي لدوائرها، إذ أشار أمين بغداد إلى وجود معامل أخرى قائمة، من بينها معمل لإنتاج الحاويات، فضلاً عن مشاريع مستقبلية تستهدف دعم الإيرادات وتحسين الخدمات البلدية.

ويرى متابعون أن هذا المسار يعكس تحولاً تدريجياً في مفهوم المؤسسة البلدية العراقية، من جهاز خدمي يستهلك الموارد إلى مؤسسة تحاول إنتاج جزء من احتياجاتها ذاتياً، في ظل الضغوط المتزايدة على الموازنات المحلية وتنامي الطلب على الخدمات داخل المدن الكبرى.

وبينما كانت الإطارات التالفة لعقود رمزاً صامتاً للفوضى البيئية على أطراف العاصمة، تحاول بغداد اليوم إعادة تعريف تلك الصورة؛ فالمطاط الأسود الذي كان يتكدس في الساحات المهملة، يدخل الآن إلى دورة اقتصادية جديدة، في مشهد يختصر رهانات المدينة على أن تتحول النفايات ذات يوم إلى لغة أخرى للتنمية والاستقرار الحضري.

اشترك في مجموعة منصة تفكيك  💬 🗯️

https://chat.whatsapp.com/IW9iINmcKo1C5iClPzzBM9?mode=gi_t

رابط المنصة:

https://uliraq.com/

  • Related Posts

    • 4 views
    حين يتحول التمسك بالمرشح إلى فخٍ استراتيجي… لا إلى ضمانة استقرار

    • 4 views
    نصيف: السوداني تعرض لظلم كبير وواجه الاستهداف بوطنية

    0 0 الأصوات
    Article Rating
    الاشتراك
    نبّهني عن
    guest

    0 تعليقات
    الأقدم
    الأحدث الأكثر تصويت
    Inline Feedbacks
    عرض جميع التعليقات

    You Missed

    حين يتحول التمسك بالمرشح إلى فخٍ استراتيجي… لا إلى ضمانة استقرار

    حين يتحول التمسك بالمرشح إلى فخٍ استراتيجي… لا إلى ضمانة استقرار

    نصيف: السوداني تعرض لظلم كبير وواجه الاستهداف بوطنية

    نصيف: السوداني تعرض لظلم كبير وواجه الاستهداف بوطنية

    واشنطن تجدد طلبها من رئيس الحكومة العراقي المكلف قطع العلاقات مع الفصائل

    واشنطن تجدد طلبها من رئيس الحكومة العراقي المكلف قطع العلاقات مع الفصائل

    من مكبات النفايات إلى مواد تدخل في الحدائق والتارتان.. أمانة بغداد تطلق مشروعاً لإعادة هندسة المخلفات

    من مكبات النفايات إلى مواد تدخل في الحدائق والتارتان.. أمانة بغداد تطلق مشروعاً لإعادة هندسة المخلفات

    فهد الجبوري: القوى السياسية ‘متفاجئة’ من تكليف الزيدي.. وبدر: الأمريكيون يختارون الوزراء

    فهد الجبوري: القوى السياسية ‘متفاجئة’ من تكليف الزيدي.. وبدر: الأمريكيون يختارون الوزراء

    الإطار اختار رئيس وزراء لتمشية الامور لا للقيادة.. وتنازل السوداني كان مدروسا

    الإطار اختار رئيس وزراء لتمشية الامور لا للقيادة.. وتنازل السوداني كان مدروسا