تفكيك📍 –
كتب الظل الناطق: في لحظات التحول الكبرى لا تُقاس خطورة المكلف لرئاسة الوزراء بما يقوله فقط بل بما تعكسه إشاراته الصامتة وتحركاته المبكرة وطبيعة الاصطفافات التي يشعر معها بالطمأنينة. فالدولة حين تدخل مرحلة إعادة التموضع يصبح السؤال الأخطر ليس: من جاء؟ بل: إلى أي اتجاه سيأخذ البوصلة معه؟
المؤشرات المتراكمة خلال الأيام الأخيرة تكشف أن المشهد لا يتحرك ضمن توازن داخلي خالص بل ضمن إعادة تعريف دقيقة لمفهوم السلطة نفسها. فالمكلف الحالي لا يظهر بوصفه شخصية تسوية تقليدية تسعى إلى جمع الأطراف بقدر ما يبدو أقرب إلى نموذج “الانحياز الهادئ” الذي يحاول أن يقدم نفسه للخارج باعتباره رجل المرحلة القادر على تنفيذ متطلبات محددة حتى لو أدى ذلك إلى إرباك الداخل.
وهنا تكمن الإشكالية الحقيقية.
العراق ليس دولة يمكن إدارتها بمنطق المحور الواحد ولا يمكن لرئيس وزراء فيه أن يتحول إلى ممثل سياسي لاتجاه إقليمي أو دولي دون أن يفتح أبواب التصدع الداخلي تدريجياً. لأن تركيبة النظام العراقي قائمة أساساً على إدارة التوازنات لا كترف سياسي بل كشرط بقاء للدولة نفسها.
المقلق في سلوك المكلف ليس فقط طبيعة تصريحاته أو دوائر اتصالاته بل ترتيب أولوياته السياسية. فحين تكون الرسائل الموجهة للخارج أسرع وأكثر وضوحاً من الرسائل الموجهة للداخل فهذا يعني أن هناك محاولة لبناء شرعية دولية أو إقليمية قبل بناء الشرعية الوطنية. وهذه واحدة من أخطر العلامات في أي نظام سياسي هش.
الدول العميقة لا تخاف من الخصوم بقدر ما تخاف من الشخصيات التي تدخل السلطة وهي تحمل رغبة مبكرة بإثبات الولاء لطرف خارجي أو لمحور محدد. لأن هذا النوع من القادة يتحول مع الوقت إلى أسير لحاجة مستمرة لإثبات “الالتزام” فيبدأ بتقديم التنازلات على مراحل تحت عنوان الإصلاح أو إعادة الهيكلة أو حماية الدولة.
والمشكلة أن العراق ليس في ظرف يسمح بالمغامرات الرمادية.
فالمنطقة كلها تعيش على حافة إعادة رسم النفوذ وأي ميل حاد لطرف دون آخر سيحول العراق مرة أخرى من دولة توازن إلى ساحة اختبار. وهنا لا يعود الخطر متعلقاً بشخص رئيس الوزراء بل بالبنية الاستراتيجية للدولة العراقية نفسها: اقتصادياً، أمنياً، وحتى اجتماعياً.
فالكثير من المفكرين وصناع القرار ليس مطمئنين لهذا التكليف ليس من باب المزايدات السياسية بل لأن طريقة فرض القرار بحد ذاتها تثير القلق. فعندما تتمسك جهة معينة بخيار محدد إلى هذا الحد رغم حجم التحفظات والتعقيدات المحيطة به فإن الذاكرة العراقية تستحضر تلقائياً تجارب سابقة دفعت البلاد أثماناً باهظة بسبب الإصرار ذاته.
التاريخ السياسي العراقي مليء بالمراحل التي تحوّل فيها “التمسك بالقرار” إلى بداية لأزمات أكبر. فالمشكلة ليست في الأشخاص وحدهم بل في العقلية التي تتعامل مع الدولة وكأنها حقل تجارب لإثبات النفوذ أو تسجيل الانتصارات داخل المعسكر الواحد. وفي كل مرة كان يُغلق فيها باب المراجعة والنقاش لصالح منطق “هذا هو القرار النهائي” كانت النتائج تميل نحو الانقسام أو التعقيد أو الانفجار المؤجل.
ولهذا فإن القلق اليوم لا يتعلق فقط بالمكلف بل بالنهج الذي أوصله. لأن الدول لا تسقط غالباً بسبب الخصوم الواضحين بل بسبب الإصرار الأعمى داخل غرف القرار على خيارات لا تمتلك القدرة على إنتاج الاستقرار الحقيقي.
ومع ذلك فالمسألة الأخطر قد لا تكون في شخصية المكلف وحده بل في ما قد يترتب على هذا الإصرار سياسياً وانتخابياً داخل البيئة الحاضنة نفسها. لأن المكون الأكبر إذا استمر بهذا المسار دون مراجعة عميقة فإنه قد يفقد تدريجياً جزءاً كبيراً من مجتمعه وقواعده الانتخابية التي بدأت تستعيد ثقتها بالدولة خلال المرحلة السابقة.
نجاح حكومة محمد شياع السوداني في ملفات اجتماعية وخدمية عديدة وإعادة جزء مهم من الثقة بين المواطن والدولة لم يكن حدثاً عابراً. بل كان بداية لتحول نفسي داخل الشارع العراقي بات يرى لأول مرة إمكانية وجود سلطة تُنتج استقراراً نسبياً وتحاول أن تُعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع. كما أن نتائج الانتخابات وما جرى بعدها كشفت أن المزاج الشعبي لم يعد يتقبل بسهولة العودة إلى نماذج مرتبكة أو غير واضحة الهوية السياسية والسلوكية.
ومن هنا تبدو الأزمة أعمق مما يتصور البعض.
فالإطار ــ إن صح التعبير ــ قد يكون ابتلع طعماً كبيراً وسقط داخل فخ استراتيجي ستظهر نتائجه تباعاً خلال المرحلة المقبلة. لأن بعض القرارات لا تُقاس فقط بقدرتها على تمرير اللحظة بل بقدرتها على حماية التراكم السياسي والاجتماعي الذي تحقق خلال السنوات الأخيرة.
والمقلق أكثر أن الرجل المطروح لا يمتلك قاعدة سياسية راسخة ولا تاريخاً معروفاً في إدارة التوازنات ولا سلوكاً سياسياً متراكماً يمكن قراءته بوضوح. الصورة الأقرب عنه أنه رجل صعود سريع أقرب إلى عقلية التاجر منها إلى عقلية رجل الدولة.
وهنا تكمن الخطورة.
فالتاجر أو صاحب الصعود المفاجئ غالباً ما يكون أكثر قابلية للمغامرة لأنه لا يمتلك إرثاً سياسياً يخشى خسارته ولا قاعدة جماهيرية تحاسبه ولا تاريخاً نضالياً يقيّد حركته. وهذا النوع من الشخصيات يكون مستعداً لعقد التفاهمات الحادة أو تقديم التنازلات الكبيرة مقابل تثبيت موقعه داخل السلطة لأنه ببساطة لا يملك شيئاً ثابتاً يساوم عليه أو يخسره.
هناك فارق كبير بين أن تكون لديك علاقات جيدة مع الجميع وبين أن تظهر وكأنك جزء من مشروع أحدهم.
الأول يُسمى دبلوماسية دولة.
أما الثاني فيُسمى إعادة تموضع محفوفة بالمخاطر.
والأخطر من ذلك أن بعض القوى السياسية تتعامل مع هذا التحول بعقلية المكاسب الآنية متناسية أن بناء السلطة على أساس الرضا الخارجي لا يصنع استقراراً طويل الأمد بل يؤسس لدولة مرتبكة تفقد تدريجياً قدرتها على اتخاذ القرار المستقل.
لهذا فإن الاختبار الحقيقي للمكلف لن يكون في تشكيل الحكومة فقط بل في قدرته على إثبات أنه رئيس وزراء للعراق كله لا مدير مرحلة لطرف ينتظر قبض الثمن السياسي لاحقاً.
فالعراق لا يحتاج اليوم إلى رجل يُتقن التموضع داخل المحاور… بل إلى رجل يمنع المحاور من تحويل العراق إلى أداة ضمن صراعها.
وهنا يبدأ الفرق بين من يدير حكومة… ومن يحمي دولة.
اشترك في مجموعة منصة تفكيك 💬 🗯️
https://chat.whatsapp.com/IW9iINmcKo1C5iClPzzBM9?mode=gi_t
رابط المنصة:






